الخلافة: واقع مرتقب وتخوفات غربية

لم يكن هدم الخلافة الذي يوافق الثالث من آذار لعام 1924 بالتأريخ الميلادي، نتيجة مغامرة سياسية أو محاولة عابرة أو سياسة ارتجالية مارستها القوى الغربية الاستعمارية، بل كان هدمها ثمرة جهود مضنية وعقود بل قرون من الكيد والتآمر والتخطيط من تلك القوى، والتي انتهجت طرقاً مختلفة وتوسلت إلى تحقيق هذه النتيجة بوسائل شتى، فهدم الخلافة كان ولا زال الإنجاز الأول والأهم الذي استطاع الغرب تحقيقه في صراعه مع الحضارة الإسلامية منذ بزوغ فجرها وإقامة دولتها الأولى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة إلى يومنا هذا.

لذا كان من الطبيعي ومن المتوقع أن تحيط القوى الغربية الاستعمارية هذا الإنجاز بهالة من الأسباب والظروف والمخططات تسعى من خلالها للمحافظة عليه، وتلك الأسباب والظروف والمخططات هي بلا شك عوائق حقيقية في وجه استعادة الخلافة من جديد.

ومن أدرك نظرة القوى الغربية الاستعمارية للخلافة في تاريخها وفي مستقبلها المرتقب يدرك حجم الاهتمام الذي تبديه هذه القوى في سبيل إعاقة عودة الخلافة من جديد.

يقول الدكتور رفيق حبيب وهو كاتب مصري قبطي في مقال له (بالنسبة للدول الغربية، تمثل فكرة استعادة الدولة الإسلامية الموحدة، مشروعا لبناء كيان دولة عظمى. وهو ما يعني ضمنا تحدي الدول الغربية وأمريكا، بوصفها القوى العظمى في عالم اليوم. ولا يمكن أن يستمر الغرب في تفوقه على مختلف دول العالم، إذا تم بناء دولة الوحدة الإسلامية والتي سوف تقع على الحدود الجنوبية للغرب، وتفصل الغرب عن بقية دول العالم، وتحتل منطقة قلب العالم. فإذا قامت دولة للوحدة الإسلامية، لن يستمر الغرب كقوة عظمى. والأهم من ذلك، أن دور الحضارة الغربية بوصفها الحضارة المتقدمة والمهيمنة على العالم، سوف ينتهي.

إن حلم العولمة، وهو حلم هيمنة الليبرالية الغربية على العالم، سوف ينتهي إذا قامت دولة إسلامية موحدة، لأنها سوف تجعل الحضارة الإسلامية مهيمنة على جزء مهم من العالم، وبهذا تقوم حضارة أخرى تنافس الحضارة الغربية، وتقف كحائط صد يمنع هيمنة الحضارة الغربية على العالم.

وحلم دولة الوحدة الإسلامية، يعيد للغرب تاريخه مع الدولة الإسلامية في مراحلها المختلفة. فلم يستطع الغرب تحقيق هيمنته وسيادته العالمية، إلا بسقوط دولة الخلافة الإسلامية، والتي مثلت آخر تحد حضاري عالمي للدول الغربية.) انتهى كلام حبيب

ولتحقيق ذلك انتهجت القوى الغربية الاستعمارية العديد من الطرق والأساليب للحيلولة دون عودة الخلافة ومحاربة فكرتها، نذكر منها فصولاً تشتمل على أعمال وتصرفات عديدة، نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

1. التضليل الفكري وتمثل ذلك في إدخال الأفكار الغربية على الأمة الإسلامية بثوب الإسلام، من خلال مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، والأحزاب الموالية للغرب والتي تحمل أفكاره وتروج لها، ومن خلال الكتّاب ولوثات علماء السلاطين.

2. التضليل الإعلامي والطوق المحكم الذي ضربته تلك القوى على فكرة ومشروع الخلافة وكل ما يتصل به من أحداث ونشاطات وأفكار.

3. التضليل السياسي الذي كرس التبعية للغرب كسياسة عامة في كافة بلدان العالم الإسلامي مما زاد من عبودية تلك الأنظمة للغرب وقلل من احتمالية انعتاقها من ربقة الاستعمار.

4. وآخر سهم في كنانة تلك القوى هو تسخير ما بات يعرف بحركات الإسلام المعتدل، والتي تسعى من خلالها إلى إيجاد نماذج حكم تسمى إسلامية وتوالي الغرب فتجهض مشروع الخلافة عبر تصويره للأمة كتلك النماذج التي سرعان ما ستكتشف الأمة عقمها وتبعيتها وبعدها عن مبدأ الإسلام.

تلك هي العوائق وتلك هي مخططات القوى الغربية الاستعمارية ومكرها، ولكن قوة مبدأ الإسلام الفكرية، ورسوخه في أعماق المسلمين، ووجود طليعة من الأمة حملت مشروعها الحضاري المتمثل بالخلافة، قد عجل من إفاقة الأمة الإسلامية من التخدير الذي اعتراها وحالة التيه التي شهدتها، مما دعا الأمة من جديد أن تلتف حول مشروع الخلافة ليصبح أملها المنشود للخلاص مما حل بها، وبوابة للفجر القادم، فالعاملون للخلافة اليوم باتوا منتشرين في أصقاع العالم وباتت دعوة الخلافة تلاقي قبولاً واسعاً منقطع النظير في آسيا الوسطى في أوزبكستان وقرغيزستان وطاجكستان بل وفي روسيا وأوكرانيا، وفي أندونيسيا وماليزيا، وفي شبه القارة الهندية في باكستان وفي أفغانستان وبنغلادش وفي الهند وفي بلاد الشام وفي بقية البلدان العربية، وفي الجاليات الإسلامية في بريطانيا وأمريكا والدنمرك وهولندا والدول الاسكندينافية وفي أفريقيا في تنزانيا وكينيا وشمال أفريقيا، وفي استراليا وفي غيرها.

لقد جابت دعوة الخلافة العالم وباتت الأمل المنشود للمسلمين جميعاً ولم تعد عودة الخلافة أمراً وهمياً أو خيالياً بل أمراً واقعياً قابلاً للتحقق في كل وقت بل إنه هو المستقبل المرتقب الذي يتطلع إليه المسلمون وتخشاه القوى الغربية الاستعمارية.

ونحن إذ نؤكد حقيقة دنو الخلافة لا نبالغ ولا نزيد عن وصف الواقع الذي تحياه الأمة، وللدلالة على ذلك نذكر جملة من توقعات الغرب وتخوفاته حيال قيام الخلافة، ونقف قليلاً على ما تعيشه الأمة، ولا يفوتنا الاسترشاد بالنصوص الشرعية التي تبشر بدنو عودة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

أما توقعات الغرب وتخوفاته فقد كثرت واطردت في الآونة الأخيرة، منذ عهد بوش الابن إلى يومنا هذا، ولن نكرر ذكر تصريحات بوش التي تخوف فيها من قيام خلافة من إندونيسيا إلى إسبانيا ولا تصريحات بلير أو ساركوزي أو حتى تصريحات كلارك، ولكننا نقف على ما صدر حديثاً من تصريحات تعكس مدى خوف القوى الغربية الاستعمارية من عودة الخلافة مما دعاها إلى إشعال فتيل الحروب في المنطقة لعرقلة عودتها، ولكنّ أنى لهؤلاء أن يقفوا في وجه فكرة قد آن أوانها وفي وجه مشروع بات تحققه قدراً مقدوراً، ولعل أبرز تلك التصريحات هي تصريحات جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي بشأن باكستان حيث قال "أنَّ أكثر ما يقلقه ليس أفغانستان ولا العراق ولا أزمة الملف النووي الإيراني، بل باكستان"؟ مضيفاً: "أعتقد أنَّه بلد كبير، ولديه أسلحة نووية يمكن نشرها، وفيه أقلية مهمة فعلاً من السكان المتطرفين". جاءت تصريحاته هذه وسط تخوفات كثيرة صدرت عن العديد من المسئولين والخبراء التي تحذر من أن تكون باكستان نقطة ارتكاز للخلافة القادمة. ففي الرابع والعشرين من تشرين الثاني 2009 صرح الميجر جنرال جون م. كستر، قائد مركز مخابرات الجيش في فورت هواتشوكا في أريزونا صرح لصحيفة واشنطن تايمز قائلا "إنّ القادة العسكريين القدماء يحبوننا، فهم يفهمون الثقافة الأمريكية، ويعلمون بأنّنا لسنا الأعداء، ولكنهم خارج القوات المسلحة مجددا." وقد ورد تصريح أخر على صفحات واشنطن بوست في آذار 2009 لديفيد كيلكولن، مستشار قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال ديفيد بتريوس في حرب أميركا قال: "في باكستان 173 مليون نسمة، و100 رأس نووي، وجيش أكبر من الجيش الأمريكي... وقد وصلنا إلى مرحلة حيث يمكن رؤية انهيار النظام الباكستاني خلال ستة شهور... إنّ إطاحة المتشددين بالنظام سيدمر كل الذي نراه في الحرب على الإرهاب اليوم." وفي الثاني من كانون الأول 2009 ومن على شاشة محطة جيو الباكستانية أعربت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن قلقها من العمل للخلافة في باكستان.

بل إن التعامل مع الخلافة قد بدا على لسان الخبراء والكتاب الغربيين كحقيقة قائمة مما دعا الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي المشهور جون شيا أن يوجه رسالة للرئيس الأمريكي يطالبه بفتح مصالحة مع ما أسماها بالخلافة الخامسة التي لن تستطع القوات الأمريكية الوقوف بوجهها أو مجابهتها. جاء في رسالة شيا التي كانت بعنوان(حتمية المصالحة مع دولة الخلافة الخامسة): "الحقيقة الجليَّة هي أنَّه لا يستطيع أي جيش في العالم، ولا أيَّة قوَّة عسكريَّة - مهما بلغت درجة تسليحها - أن تهزم فكرة.

يجب أن نقرَّ بأنَّنا لا نستطيع أن نحرق قادة هذه الفِكْرة في كلّ بلاد الشَّرق الأوسط، ولا أن نحرق كتُبَها، أو ننشر أسرارها؛ ذلك لأنَّ هناك إجماعًا بين المسلمين على هذه الفكرة.

إنَّ الشرق الأوسط يواجه اليوم القوَّة الاقتصاديَّة الموحَّدة للدُّول الأوربيَّة، هذا صحيح، لكن عليْنا أن نعرِف أنَّه في الغد سيواجه الغرب القوَّة الموحَّدة لدولة الخلافة الخامسة."

وهذه التصريحات خرجت للعلن وبات التوجس من الخلافة المرتقبة ظاهراً وماثلاً للعيان-برغم وجوده عبر العقود المنصرمة- بسبب تحسبهم وتوقعهم أن تقوم الخلافة بين لحظة وأخرى ومنهم من توقع عودتها حتى عام 2020 كتقرير (رسم خريطة المستقبل العالمي) الصادر عن المجلس الوطني للاستخبارات في ولاية فيرجينيا التابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكية C.I.A، وكنائب رئيس مجلس الدوما السابق ميخائيل يورييف.

وهذه التصريحات ليست الشاهد الوحيد على ما نؤكده من دنو الخلافة بل إن الواقع الذي تحياه الأمة يدل على ذلك أتم الدلالة والوضوح، فالأمة الإسلامية اليوم باتت تتطلع للخلافة وللوحدة الإسلامية ولتطبيق الشريعة في كافة مناحي الحياة، وبات تمسك الأمة بالإسلام اليوم أكثر من أي وقت مضى، وباتت الأمة على أتم استعداد لتقديم التضحية تلو الأخرى في سبيل دينها، يدفعها إلى ذلك ترسخ مفاهيم العقيدة لديها، وإدراكها الحسي أن لا خلاص لها مما هي فيه سوى بالعودة للإسلام عبر إقامة دولته، وبات شعار "إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله" مفهوماً عملياً مجسداً لدى الأمة بأسرها، كما أن الحكام الجاثمين على صدرها قد بانت سوءاتهم في وضح النهار، وباتوا يناصبون الأمة ومشروعها الحضاري العداء علانية فهم شركاء أمريكا والغرب في الحرب على الإسلام، بل إن القوى الغربية قد انكشفت سوءاتها كذلك فبانت هشاشة جيوشها وقوتها العسكرية برغم امتلاكها لأعتى آلة عسكرية، فحلف شمال الأطلسي في أفغانستان يعيش كابوساً يؤرق مضجعه من قبل ثلة من المسلمين لا من قبل جيش وأمة، بل إن من جيوش ذاك الحلف من دفع الإتاوات ليحتمي من هجمات المجاهدين في أفغانستان.

هذا الواقع الذي تعيشه الأمة بكل خيوطه يؤكد على أن الأمة باتت مهيأة لتحتضن دولة الخلافة القادمة قريباً بإذن الله، فالخلافة في نظر الأمة باتت واقعاً مرتقباً لا حلماً ولا أمنية.

يعزز من هذا التوجه لدى الأمة الإسلامية آيات من كتاب الله وأحاديث شريفة تبشر الأمة بالنصر والظفر والظهور والاستخلاف والتمكين في الأرض وتبشر الكافرين بفشل مساعيهم وأنها إلى بوار في الدنيا وعقاب وعذاب ونار في الآخرة.

فكيف لأمة أن لا تتطلع لعودة الخلافة صباح مساء وهي تقرأ قول الحق جل في علاه:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقوله:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، وأنى لأمة أن لا تتطلع لقيادة العالم وهي تسمع حديث الرسول الأكرم بعد أن أخبر عن مرحلة الملك الجبري الذي نحياه بقوله: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وهي تقرأ قوله كذلك (أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أم رومية، قال مدينة هرقل تفتح أولاً) ثم هي تترقب أن يسود الإسلام الأرض في ظل الخلافة لا يترك بيت وبر ولا حضر، قال عليه السلام (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها). وغير ذلك من الآيات والأحاديث الشريفة التي تبين خيرية الأمة الإسلامية وأن العاقبة والظهور لها ولدينها.

إن مشروع الخلافة قد اجتاز كل المعوقات والحواجز، فالخلافة اليوم يكاد أن يبزغ فجرها مع كل صباح يلوح، فهي-بإذن الله- أقرب من طرف العين، وكل ما يصور للأمة من بعد الخلافة وعدم إمكانية قيامها من جديد ليس سوى حرب إعلامية استباقية لن تضر الأمة إلاّ أذى. فما على الأمة إلا أن تغذي الخطى نحو العلا قدماً لتحرر نفسها وتقيم حضارتها وتنقذ البشرية.

شراكة الحركات الإسلامية "المعتدلة" مع الأنظمة إلى أين؟


يبدو المشهد السياسي في العالم الإسلامي في ظل حكم الأنظمة الجاثمة على صدر الأمة والموالية لأعدائها مشهداً قاتماً، ويزيد من قتامته تحالف بعض التيارات الإسلامية مع هذه الأنظمة بصورة أو بأخرى.

فقد سعت بعض التيارات إلى مشاركة هذه الأنظمة عملها السياسي التآمري، بلعب دور المعارضة وفق الرؤية الغربية تارة، أو بولوج هذه الأنظمة لتصبح مكوناً رئيسياً منها. لكنها –وللأسف- كانت من حيث أدركت ذلك أم جهلت دعامة لهذه الأنظمة التي لن يكون للأمة منفذ لسبيل عزتها وعودتها خير أمة أخرجت للناس سوى بإزالتها.

فتجارب الحركات الإسلامية في بلدان عدّة في الانخراط في العملية السياسية أسفرت عن نتائج كارثيّة، بل إن المتابع لتلك التجارب يدرك أن هناك أصابع خفية ساقت تلك التيارات للانخراط في اللعبة التي تتحكم القوى الغربية بخيوطها، ويدرك كذلك أن تلك التيارات كانت بمثابة حقل تجارب لمراكز الأبحاث الغربية التي عكفت على دراسة ظاهرة المد الإسلامي المتنامي وكيفية التصدي له، وخلصت أن لا سبيل أمام الساسة الغربيين سوى استخدام ورقة ما بات يعرف بالإسلام "المعتدل" حتى يتم عرقلة مشروع الإسلام النهضوي الذي يقضي بالإنعتاق من التبعية السياسية والفكرية للغرب بل ويدعو إلى حمل الإسلام رسالة هدىً للعالمين.

ونحن إذ نتناول هذا الموضوع نقف عليه من زوايا ثلاث، الأولى ما هو موقف الغرب من شراكة الأنظمة مع التيارات الإسلامية "المعتدلة"، والثانية ما مدى النجاح الذي حققته هذه التيارات، ومن ثم نعرج على آثار هذه التجارب على مشروع الأمة النهضوي وما مدى إسهام هذه التجارب في خدمة أو عرقلة هذا المشروع.
أما موقف الغرب من شراكة الأنظمة مع التيارات الإسلامية "المعتدلة" فقد شهد تقلبات متعددة، أولها اعتماد سياسة ركوب الموجة في التعامل مع التيارات الإسلامية في سبعينات القرن الفائت وهي مما أوصى به الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون واستمرت تلك السياسة لعقود،

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تبنت أمريكا سياسة الحرب على الإسلام تحت شعار الحرب على الإرهاب دون أن تفرق بين التيارات الإسلامية التي تصنفها "بالمعتدلة" أو "الأصولية"، فوضعت جميع التيارات الإسلامية في سلة واحدة،
لكن فشل سياستها وعدم قدرتها على تحقيق إنجازات تذكر على صعيد الأزمات التي فجرتها تحت مسمى الحرب على الإرهاب دفعها لإعادة التفكير في تلك السياسة مما دعاها إلى العدول عن حربها الشعواء الارتجالية الشمولية، فعمدت إلى التفريق مرة أخرى بين تيار حرصت عليه من قبل وغذته بأسباب الحياة في سبيل وقوفه في وجه تيارات "الأصولية" التي تعادي الحكومات الغربية ولا تسير ضمن مشاريعها،

وللدلالة على ذلك فلقد أصدرت مؤسسة رند -وهي إحدى مؤسسات Think Tanks ذات التأثير الكبير على توجه الطبقة السياسية الحاكمة في أمريكا- تقريراً عام 2008 يدعو إلى بناء شبكات إسلامية معتدلة لتقف في وجه من صنفتهم بالأصوليين والذين وصفهم الباحثون بأنهم قويو الحجة والبرهان، ودعا التقرير إلى " أن يكون بناء شبكات إسلامية معتدلة هدفا معلنا وصريحا في برنامج الحكومة الأميركية" واعتبر "أن بناء شبكات الاعتدال الإسلامي يمكن أن يجري على ثلاثة وجوه رئيسية:
• أولا: دعم مؤسسات هي أصلا موجودة.
• ثانيا: ضبط شبكات معينة ذات أولوية والعمل على بعثها ورعايتها.
• ثالثا: المشاركة في إشاعة ثقافة التعدد والتسامح، التي تعد شرطا لازما لتطور مثل هذه المؤسسات.

وللتأكيد على هذا التوجه وأهميته رأى التقرير "أن الخطوة الأولى التي يجب قطعها تتمثل في اتخاذ قرار حاسم من طرف الإدارة الأميركية وحلفائها ببناء شبكة الاعتدال في العالم الإسلامي، وربط تحقيق هذا الهدف الكبير بصورة واضحة وصريحة بالإستراتيجية، ومجمل البرامج الأميركية"، كما نص التقرير كذلك على "أن التنفيذ الجاد والناجع لمثل هذه الإستراتجية يتطلب وجود بنية هيكلية داخل الحكومة تسهر على توجيه ودعم ثم مراقبة ورصد الجهود المبذولة على هذا الصعيد، وهذا الأمر يتطلب بدوره صناعة الخبرات والقدرات اللازمة. ولتحقيق هذه الأهداف العامة فإننا نقترح ما يلي:
o وضع ميزان تقييمي تتم بموجبه غربلة المعتدلين الحقيقيين من الانتهازيين والمتطرفين الذين يتخفون خلف غلاف الاعتدال، فضلا عن تمييز العلمانيين الليبراليين عن العلمانيين التسلطيين.
o بناء قاعدة معلومات دولية تضم الشركاء المحتملين (تحتوي الأفراد والمجموعات والمنظمات، والمؤسسات والأحزاب).
o وضع آليات واضحة تسمح بمراقبة وتوجيه، ثم تطوير البرامج والمشاريع وتقييم القرارات المتخذة في هذا المضمار. ومن هنا تتأتى أهمية إيجاد عدسة رصد تسمح بدعم وتحسين أداء الشركاء الذين هم محل ثقة لدينا." انتهى الاقتباس

وتأكيداً على أهمية هذه السياسة وإعطائها الأولوية اللازمة نص التقرير على "إن مشروعنا البنائي والمؤسسي يجب أن يعطي الأولوية المطلقة لتلك المجموعات ذات التوجهات الأيديولوجية المقبولة لدينا، أي تلك التي تلتزم فعلا بما تعلنه من أطروحات الاعتدال. فهذه المجموعات هي التي يمكن التعويل عليها دون غيرها، باعتبارها شريكا جادا. من هنا يتوجب تمحيص التوجهات الأيديولوجية بشكل جيد، وعند الاطمئنان إلى سلامة التوجه يمكن أن تتاح للمجموعات العاملة دائرة أوسع من الاستقلالية والتسيير الذاتي، وهذا الأمر يستوجب بدوره مراجعة الإستراتيجية العامة المتبعة إلى حد الآن مع العالم الإسلامي."

ومن الشواهد على هذه السياسة تصريحات بعض السياسيين الغربيين. فقد كشفت وزيرةَ خارجيةِ أمريكا السابقة "كونداليزا رايس" عن "اقتناع الولايات المتحدة بأهميةِ التحاورِ مع الإسلاميين في المنطقة العربية، وأنها لا تخشى من وصول تياراتٍ إسلاميةٍ إلى السلطة"، واعتبر ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية "إن الولاياتِ المتحدة لا تخشى وصولَ تياراتٍ إسلاميةٍ إلى السلطة لتحلَ محلَ الأنظمةِ القمعيةِ العربية التي تتسبب بتكميمها الأفواهَ في اندلاعِ أعمالِ الإرهاب، شريطةَ أن تصلَ عن طريقٍ ديمقراطي وأن تتبنى الديمقراطيةَ كوسيلةٍ للحكم".

من ذلك كله يتبين أن موقف الغرب ممثلاً بموقف أمريكا وكذا دول الإتحاد الأوروبي كان واضح اللهجة في قبول هذه الشراكة بل داعماً لها في كثير من الأحيان، وهو إن تبنى خطاباً مغايراً لذلك مع تيارات "الإسلام المعتدل" في بعض الأحيان فقد كان يرمي من ذلك إلى جر تلك التيارات لمزيد من الاندماج السياسي مع هذه الأنظمة، فهو يعتمد على نهج من يهن يسهل الهوان عليه، وهو يدرك أن قبول تلك التيارات بالديمقراطية وبقواعده التي يخطها لهذه اللعبة من شأنه أن يهوي بها في واد سحيق.

لذا نرى أن أمريكا حتى يومنا هذا تنتهج نفس الأسلوب والمنهاج في التعامل مع تلك التيارات، فأمريكا دعمت ولازالت تدعم حزب العدالة والتنمية في تركيا باعتباره رأس حربة لها يقف في وجه نفوذ الاستعمار القديم ممثلاً بالمؤسسة العسكرية في تركيا، وهي كذلك لم تمانع بل دعمت دخول الحزب الإسلامي في العراق الحكومة العراقية العميلة لأمريكا، وهي كذلك تحاول يائسة إسقاط تلك التجربة على حركة طالبان وفق ما نتج عن مؤتمر لندن الأخير والذي دعا إلى استمالة "ما سماه الجهات المعتدلة في طالبان" ودعوتها للمشاركة في العملية السياسية هناك.

فأمريكا دعمت تيارات الإسلام "المعتدل" علانية أو تحت جنح الظلام، وتعدى دعمها هذا مجرد الوقوف في وجه التيارات التي تصنفها "بالأصولية" إلى الاستغلال السياسي الدنيء الذي سخر تلك التيارات في بعض الأحيان والبلدان لخدمة مشاريع الغرب السياسية.

أما عن مدى ما حققته هذه التجارب من نجاح فهي لم تحقق نجاحاً يذكر على صعيد وصفها بالتيارات الإسلامية، ولنأخذ للدلالة على ذلك أمثلة تركيا والسودان والأردن ومصر.

ففي تركيا لم تعدو تجربة حزب العدالة والتنمية عن كونها مثالاً صارخاً لمدى تسخير أمريكا لتيار ظاهره إسلامي وهو في حقيقته تيار علماني، فلطالما صرح قادته بمحافظتهم على مبادئ الدولة العلمانية الكمالية، فتجربة حزب العدالة والتنمية ليست مثالاً لنجاح التيارات الإسلامية في استلام الحكم بل هو مثال على نجاح أمريكا في تسخير هذا التيار لتحقيق أجنداتها في الاستيلاء على النفوذ في تركيا والاستئثار به دون الاستعمار القديم. ثم ما معنى نجاح هذا التيار أو ذاك إذا ترك الإسلام بنظمه الاقتصادية والاجتماعية ونظام العقوبات بل ودستوره الشامل خلف ظهره، وتمسك بأفكار علمانية بالية، فكيف يصر البعض على تسمية تجربة تركيا بتجربة إسلامية وهي لا تعدو تجربة علمانية صرفة؟! وما دار من صراعات بين حزب العدالة والجيش لم يكن سوى صراع بين النفوذ الجديد والنفوذ القديم؟!

وأما تجربة السودان فلنا في مآل هذه التجربة من انقسام التيار الإسلامي هناك على نفسه وانخراطه في مشاريع تقسيم السودان ومخططات أمريكا، مما يدعو للقول أن صبغة ومسحة الإسلام التي اكتساها تيار البشير لم تكن سوى استغلال لمشاعر المسلمين الجياشة لتحقيق وتنفيذ تلك المخططات الجهنمية التي أورثت السودان البوار.

وأما تجربة الأردن، فلقد بات واضحاً أن انخراط "الإسلاميين" في الحكم وشراكتهم مع النظام الحاكم هناك لم يخرج عن كونه دعامة يتقوى بها النظام كلما ضعف بنيانه واهترأت شعبيته، وعن هذه التجربة يقول الكاتب عبد الجبار سعيد "وساهم الإخوان مساهمة إيجابية في استقرار المجتمع الأردني والنظام الأردني، وأوضح ما كانت هذه المساهمة عندما وقفوا إلى جانب النظام عندما جرت محاولة الانقلاب عليه، وهتفوا باسم جلالة الملك حسين رحمه الله في شوارع الزرقاء وعمان، وساهموا في إحباط تلك المحاولة."

وأما تجربة الإخوان في مصر فبرغم ما تقدمه الحركة من عروض سخية بتأييد ودعم النظام في حالة السماح لهم بالانخراط الرسمي في العملية السياسية إلا أن النظام السائر في فلك المشاريع الغربية هذه المرة هو من يرفض هذا التعايش مع هذا التيار الإسلامي، مما يعكس مدى الانحدار في النظرة للمشروع الإسلامي بصورة عامة ومن خلوها من أهم المرتكزات الإسلامية وهي تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً شاملاً.

أما آثار هذه التجارب على مشروع الأمة النهضوي فلقد كانت آثار سلبية، وتختبأ في ثنايا هذه التجارب وميض إيجابية غير مقصودة.
فلا يخفى على المتابع لتجارب الحركات الإسلامية في شراكتها مع الأنظمة وما ترتب على ذلك من آثار أن هذه التجارب أضرت بمشروع الأمة النهضوي، فمن جهة كشفت تلك التجارب أن التيارات الإسلامية-صاحبة هذه التجارب الفاشلة- هي تيارات واقعية مثلها مثل التيارات الأخرى ودعا ذلك الأمة إلى تعميم هذا الحكم على جميع الحركات والتيارات الإسلامية، ومن جهة أخرى أفرغت تلك التيارات شعار تطبيق الإسلام كشعار "الإسلام هو الحل" من مضمونه مما جعل الأمة تظن أن رفع أي شعار لتطبيق الإسلام هو وسيلة وأداة لمجرد الوصول إلى الحكم دون تطبيق الإسلام بحق، ومن جهة ثالثة فلقد كانت تلك التيارات في بعض التجارب أداة للقوى الغربية الاستعمارية مستغلة ما تلبس من ثوب الدين.

وأما الإيجابية الوحيدة فتمثلت في أن فشل تلك التيارات عزز قناعة الأمة بأن لا خلاص لها سوى بتطبيق الإسلام تطبيقاً خالصاً من الشوائب، وأنه لا يمكن تغيير الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة من خلال شراكة هذه الأنظمة ومسايرتها وأن لا سبيل للتغيير الحقيقي سوى باقتلاع هذه الأنظمة من جذورها والتخلص منها بصورة نهائية.

إن التيارات الإسلامية التي انخرطت في العملية السياسية وعمدت إلى التعايش مع أنظمة تطبق شرعة الطاغوت قد بعدت عن نهج الرسول الكريم الذي خط لنا معالم الولاء والبراء والمفاصلة، وبين لنا أن العاملين للإسلام لا يمكن أن يخضعوا للمساومة على فكر واحد أو تطبيق حكم واحد، كما بين لنا الرسول الأكرم أن مواقف العاملين للتغيير لا بد أن تكون مواقف مبدئية لا براغماتية متقلبة فهو من قال لبني عامر بن صعصعة أثناء سعيه السياسي لحشد طاقات الأمة لتطبيق الإسلام عبر دولة رافضاً اشتراطاتهم التي تمس ما يحمل من أحكام ومنهاج (الأمر لله يضعه حيث يشاء) وفي هذا الموقف مثال صارخ لرفض الحياد عن تطبيق حكم واحد فكيف بمشاركة أنظمة تحكم بأنظمة كفر لا تمت إلى الإسلام بصلة، فهل يعقل أن يمتزج الإسلام بالكفر فينتجان ديناً جديداً أو منهاج حياة مبتكر؟!!

إن قضية الأمة لا تحل بوصول الأشخاص لسدة الحكم بل بوصول الإسلام كمبدأ ومنهاج حياة لسدة الحكم ليعاد صياغة الحياة والدولة والمجتمع وفق أحكام الإسلام ليحيا المسلمون حياتهم بطمأنينة وحياة كريمة عزيزة فتعود لهم الخلافة دولة النور حاملة مشعل الهداية لتنير للبشرية ظلمتها الحالكة.

العلماء بين عروة الإسلام وعروة السلطان


لطالما كان دور العلماء في الأمة الإسلامية دوراً ريادياً، فعلماء الأمة الإسلامية (وأقصد في هذا المقال علماء الشريعة) ليسوا كعلماء الأمم الأخرى، فعلماء الأمم الأخرى يلعبون دوراً هامشياً على مستوى قيادة الأمة وتوجيه دفتها، بينما علماء المسلمين يحتلون مكانةً مرموقةً وموقعاً مميزاً في قاطرة سير الأمة وانتقالها من حال لآخر، وما ذلك إلا لأن الإسلام هو الذي يصوغ الحياة السياسية لدى المسلمين وفق أفكار ومفاهيم انبثقت عن عقيدته ونظرته للحياة، بينما فصل آخرون الدين عن الحياة السياسية أو أنكروه.


ولِمَا كان لهم من مكانة، أدرك سلف الأمة من العلماء والأئمة المهمة الملقاة على عاتقهم، فسطّروا لنا مواقف من نور أضاءت ظلمة الليل البهيم، وأنارت الدرب لكل من ينشد اقتفاء الأثر، فكانوا نجوماً تتلألأ في سماء الأمة ومضرب مثل لها، وكانوا دوماً المقوّم لاعوجاج السلطان فيها إن طغى وبغى، فكانوا بحق بوصلة السفينة بل وربانها.


لقد أدرك العلماء عبر تاريخ الأمة الممتد من العهد النبوي فالراشدي إلى العهد العثماني أنهم هم من يبصّر الأمة الحق ويبعدها عن الزيغ والزلل، فهم من قرؤوا وامتثلوا قول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام (العلماء ورثة الأنبياء) وهم من قرؤوا قول الحق سبحانه (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) وهم من سطّروا لنا مواقف المحاسبة وقول الحق والصدع به مهما كانت الصعاب، فمنهم الأمام أحمد بن حنبل الذي ضرب أروع الأمثلة في محاسبة الحكام حتى قال مقولته المشهورة التي تكتب بمداد من ذهب (إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟!)، ومنهم العز بن عبد السلام بائع الملوك، ومنهم سعيد بن جبير ومنهم أبو حازم التابعي الجليل ومنهم ...ومنهم.

وإدراكاً لهذا الدور المحوري لعلماء الأمة عمد الكافر المستعمر في زماننا إلى شن حملة مقصودة بغرض حرف العلماء عن جادة الحق والصواب، واستخدم لذلك الترهيب والترغيب والتضليل، فالكافر المستعمر أدرك حقيقة أن (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء)، وأدرك كذلك أن إحكام قبضته على الحكم في بلاد المسلمين عبر نواطيره لا يمكن له أن يصمد طويلاً في وجه الأعاصير والمتغيرات التي تعصف بهم، جراء فقدانهم لسند الأمة الطبيعي واعتمادهم على السند الخارجي، إلا إذا سخر لهؤلاء النواطير جيشاً من العلماء والإعلاميين والكتّاب والصحفيين لكي يسبحوا بحمد السلطان صباح مساء فيضفوا بذلك مسحة الشرعية على هذه الأنظمة الغريبة عن جسم الأمة، ليتقبلها ذلك الجسد بلا مقاومة ظناً منه أنها جزء أصيل منه وما هي سوى مرض عضال يسري في عروقه.
لقد عمد الكافر المستعمر بمكر ودهاء خبيثين إلى إيجاد طبقة من العلماء يوالون الحاكم ويناصرونه ويدعمون قراراته بل وخيانته للأمة وتجرئه على دين الله في كثير من الأحيان، فباتت طبقة علماء السلاطين جزءاً رئيساً من منظمومة الحكم في بلاد المسلمين المنكوبة، عملها إفراغ الدين من مضمونه، وإلباس الحكام لباس ولاة الأمور، وعزل الدين عن السياسة، وأداة لمحاربة ما أسماه الحكام والكافر المستعمر بالإرهاب.

فبالرغم من أن الحكام الذين يجثمون على صدر الأمة لا شرعية لهم، فلا هم أتوا بتوكيل وتفويض من الأمة عبر بيعة شرعية، ولا هم يطبقون أحكام الإسلام في مناحي حياتهم، بل هم قد اغتصبوا السلطة وحكموا الأمة بشرعة الكفر والطاغوت، إلا أننا نرى كيف تستميت طبقة علماء السلاطين في إيجاد المبررات والمسوغات الواهية لإضفاء الشرعية على تصرفات الحكام.

بيد أن علماء السلاطين الذين رضوا وتابعوا حكام دول الضرار قد بلغوا مبلغاً لم يشهده تاريخ الأمة من قبل، فترى منهم أئمة يعتلون المنابر ويخطبون ود الحاكم الفاسق والخائن لله ولرسوله وللمؤمنين بسخط الله وغضبه، وعلماء ينطقون بالكفر والفسق والفجور بالقول (لو أمرني محمد بالكفر بالنصرانية واليهودية لكفرت به)، وآخرون يبررون لنظام مصر الطاغوتي حصاره لإخوانه في البر والبحر بجدار وسور، وآخرون يحاربون النقاب نيابة عن الفرنسيين والسويسريين، وآخرون ...وآخرون.

ومع ذلك كله وبرغم المكر والدهاء إلا أن ما علق بأفكار الإسلام من شوائب قد ضمر وأخذ بالتلاشي، وبات الإسلام وأفكاره النقية هي الحَكم والفيصل والميزان لدى الأمة، وهي وحدها الحق وبها تميّز الأمة العلماء والرجال، وما عادت حيل الكفار ولا استخفاف علماء السلاطين بعقول المسلمين تجدي نفعاً، فلقد انفضت الأمة عن علماء السلاطين فأفقدت تلك الأداة التي يمسك بزمامها الكافر المستعمر عبر حكامه ونواطيره فاعليتها، كما فقد الحكام من قبل فاعليتهم وتأثيرهم على الرأي العام لدى المسلمين.

إن على علماء السلاطين-وقبل فوات الأوان- أن يقلعوا عن موالاتهم للأنظمة الطاغوتية وعن الإساءة للعلم الشرعي، وأن لا يكونوا دعامة من دعائم أنظمة الكفر في بلاد المسلمين، ولا أقل من أن يعلنوا براءتهم على رؤوس الأشهاد مما ضللوا به الأمة من قبل وألبسوا عليها أمر دينها ووالوا فيه أعداءها، فعروة الإسلام هي العروة الوثقى وعرى السلاطين أوهى من بيت العنكبوت، وستودي بهم –إن أصروا على التشبث بها- إلى مهاوي الردى وخسران الآخرة لو كانوا يعلمون.

إن في الأمة علماء أتقياء أنقياء، علماء عاملون مخلصون، أخذوا على عاتقهم إنقاذ أمتهم مما تعانيه والسير بها نحو العلا قدماً، عبر العمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وإن كانوا على خطر عظيم، لذا كان على الأمة ان تميز بين علمائها وبين أدعياء العلم فيها، وأن تميز بين من يسعى لنهضتها وسؤددها ومن يسعى لتكريس واقع الذلة والمهانة فيها.

إن مشروع التغيير عبر إقامة الخلافة بات في قمة عليائه وقد فات الوقت الذي يمكن للكفار والحكام النواطير وعلماء السلاطين أن يثنوا الأمة والعاملين لها عن مسعاهم، ولقد اقترب للعاملين للخلافة قطف ثمار جهدهم وتحقيق وعد ربهم.

وإن شعباً إلى العلياء منطلقاً.....لن يقدر الجن يثنيه ولا البشر

استفتاء سويسرا القشة التي قصمت "حرية العقيدة"

لا زالت الأفكار الغربية تتداعى فكرة تلو الأخرى ويتكشف للعالم بأسره مدى خطأ وزيف الفكر الرأسمالي الذي طالما تشدق به الغرب ومن ضبع بثقافته، وليس آخرها تداعي فكرة حرية العقيدة.

لقد زعم المبدأ الرأسمالي بأنه يدعو إلى حرية العقيدة بجانب دعوته إلى الحرية الشخصية وحرية التملك وحرية الرأي، وطوال العقود المنصرمة بقي الغرب يروج لهذه الفكرة باعتبارها هي الفكرة التي تطلق العنان للمرء ليختار الدين الذي يقتنع به، وتنأى بالإنسان عن دائرة التسيير وتبقيه في دائرة التخيير، كما شن الغرب هجوماً عنيفاً على الإسلام باعتباره لا يقبل من المسلم سوى الإسلام ديناً، وهاجم عقوبة المرتد عبر اعتباره هذه العقوبة تخالف حقوق الإنسان الطبيعية وتتنافى مع حرية الاعتقاد، وانساق وراء هذه الهجمة جمهرة من العلماء الذين انبروا للدفاع عن الإسلام فرضوا بأن يكون الإسلام متهماً ورضوا بأن تكون الثقافة الغربية هي مقياس الصحة والخطأ للأحكام الشرعية، كما أنهم قاموا بلي أعناق النصوص بقصد أو بغير قصد لتتلاءم مع الدعاوى الغربية في حرية الاعتقاد، فقالوا إن في الإسلام حرية اعتقاد فالله عز وجل يقول (لا إكراه في الدين) وتجرأ بعضهم على دين الله فعطّل عقوبة قتل المرتد وترك للمرء الخيار بين الارتداد أو البقاء في حظيرة الإسلام.

لكن تعاقب السنين وتقلب الحوادث كان كفيلاً بكشف خطأ وزيف الأفكار الغربية حتى لضعاف النظر، برغم أن من كان له عقل ويحاكم الأفكار محاكمة صحيحة موضوعية وفق معايير عقلية ثابتة، كان قادراً على إدراك فساد المبدأ الرأسمالي وما انبثق عنه من أفكار كفكرة الحريات ومنها حرية الاعتقاد منذ اللحظة الأولى لولادة هذا المبدأ.

لقد فضح استفتاء سويسرا الأخير على حظر بناء مآذن للمساجد هناك ومن قبله منع الحجاب في فرنسا ما تستر به الغرب من دعاويه الكاذبة، ودل على أن فكرة حرية العقيدة هي فكرة كاذبة وفارغة المضمون، وأن الغرب حتى في تطبيق أفكاره يطبقها انتقائياً ووفق أجندات صراع الحضارات.

لقد روج الغرب لفكرة حرية الاعتقاد في بلاد المسلمين في محاولة منه لثني المسلمين عن دينهم وصدهم عن عقيدتهم، عبر تشجيعه للكتّاب والمؤلفين الذي حاربوا الإسلام وكتبوا كتابات ساذجة ضد الإسلام وعقيدته فجعل منهم أدباء ومنحهم الجوائز والألقاب، وعبر الحكام النواطير الذين شجعوا كل توجه يطعن في الإسلام وأحكامه، ولكن الحق أبلج وأقوى، وقوة مبدأ الإسلام الفكرية-برغم ضياع سلطانه- كانت كفيلةً بالتصدي لهذه الهجمة، بل إن الإسلام وعبر حركات وأحزاب وأفراد كان قادراً على أن يرد هذه الهجمة إلى عقر دار الدول الغربية.

ولما ارتد الأمر ليصل بلاد الغرب وبات المبدأ الرأسمالي في مهب الريح حتى في ظل عدم وجود دولة ذات مبدأ وحضارة تجابهه، وأصبحت أعداد من يعتنقون الإسلام من الدول الأوروبية مثار جدل ودافع خوف وهلع لدى الحكومات الغربية خضعت فكرة حرية الاعتقاد للنفي والتبديل. وكذلك صنعت العديد من الحكومات الغربية نفس الصنيع في حرية الرأي، ففكر حزب التحرير مثلاً يُحارب من قبل الحكومات الغربية –كالحكومة الألمانية والبريطانية والروسية- بدعوى أنه فكر متطرف برغم أن تلك الحكومات تعترف بأن حزب التحرير لا يقوم بأعمال مادية ونهجه نهج فكري سياسي، ولكنها تكيل له التهم جزافاً لأنه لا يسير وفق منظمومة الأفكار التي تحاول تلك الحكومات فرضها على الجالية الإسلامية هناك باسم الاندماج، وهي في الحقيقة تسعى لفرض الأفكار الرأسمالية على المسلمين فرضاً وتهدد كل من تسول له نفسه بمخالفة تلك الأفكار بأنه سيلاقي نفس المصير فستكال له التهم وسيوصف بالإرهاب والتطرف سعياً لإسكاته، إذ أن أفكارهم لا تقوى على مجابهة الفكر الإسلامي، الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فتلجأ تلك الحكومات إلى القمع والتهديد حالها كحال الأنظمة الدكتاتورية القائمة في بلاد المسلمين بل كحال الأنظمة الشيوعية البائدة.

بينما من ينعم النظر في مبدأ الإسلام يرى عدالة دعوته وإنصاف أحكامه، برغم أن الكثير من أحكامه الشرعية التفصيلية ليست معللة وعقل الإنسان يقف قاصراً عن إدراك فوائد تلك الأحكام لأنها صدرت من حكيم خبير فوق إدراك عقول البشر. فالإسلام في جانب الاعتقاد دعا البشر لاعتناقه بالدليل العقلي وخاطب عقولهم بالحجة والبرهان ولم يجبر أحداً على اعتناقه، وآيات القرآن الكريم تزخر بالخطابات الموجهة للعقول المفكرة والمستنيرة، كما لم يجبر الإسلام أحداً من أهل الذمة ممن يعيشون في كنف الدولة الإسلامية ولا يدينون بدين الإسلام على اعتناقه بل سنّ لهم أحكاماً حفظت لهم خصوصياتهم، فلهم الحق أن يُتركوا وما يعتقدون ويعبدون، ولكنه خاطبهم بالحكمة والموعظة الحسنة ودعاهم للإسلام لما يمثله من هداية لهم وانعتاق من عبودية الأديان المحرفة والمبادئ الخاطئة إلى عبودية رب العالمين، فمن آمن بالإسلام آمن به عن عقل وبينة، ومن ارتد عنه حُق عليه حكم الله في المرتد، وليس في ذلك ظلماً أو حجراً على عقل الإنسان، فالإسلام لم يلامس قلب الإنسان إلا بعد الاقتناع بالحجة والبرهان ولمن شك في الإسلام ولو بعد حين أن يناقش في صحته فتقام عليه الحجة والدليل، وهذا مغزى الاستتابة التي تسبق حكم قتل المرتد، ومن قامت عليه الحجة والدليل وأراد البغي والفساد شرع للدولة أن تطبق عليه حكم الله في المرتد، فالفكر الصحيح بحاجة إلى مثل هذه العقوبات الرادعة ليُحفظ من عبث العابثين والمفسدين، ولنا في قصة اليهود في زمن الرسول عليه السلام خير مثال على ذلك، فالله عز وجل قد حكى لنا حكاية إفسادهم وعبثهم بقوله سبحانه: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

إن أحكام الإسلام هي أحكام شرعية وليست بحاجة لعقولنا القاصرة لندرك صحتها فهي منزلة من حكيم خبير، وهذه الأحكام عندما طبقت في ظل الخلافة جلبت الخير للبشرية جميعاً حتى أن أهل الذمة قد عاشوا في كنفها آمنين مطمئنين.

إن المبدأ الرأسمالي مبدأ باطل منذ نشأته فهو لم يقم على أساس فكري صحيح بل كانت فكرة فصل الدين عن الحياة مجرد حل لإشكالية وقعت بين رجال الدين والفلاسفة الملحدين لا نتيجة بحث عقلي في الكون والإنسان والحياة، وكل ما بني على هذا الأساس كان باطلاً، ولكن تحكّم الدول الرأسمالية في العالم اليوم وغياب الحكم بالإسلام مكن هؤلاء أن يصولوا ويجولوا ويروجوا بأساليبهم الخبيثة ووسائل إعلامهم الكاذبة لكل من يطعن في الإسلام ويعلي شأن الفكر الغربي، بيد أن فألهم قد خاب وسهمهم قد طاش، فوعي المسلمين المتنامي على أفكار الإسلام وتسارع الأيام والسنين والحوادث كان كفيلاً ليكشف لكل من كان له عقل حقيقة هذا المبدأ الواهن والمتداعي ويكشف أن الغرب إنما يسعى لفرض الرأسمالية على العالم وبالأخص على المسلمين فرضاً ولكنه يتلاعب بالإعلام وبالعقول فيظن الرائي لفكره المتداعي أن في جعبته الماء الزلال وهو في الحقيقة محض سراب.

إن مبدأً يسخر البشر تسخير العبيد لخدمة طبقة رأسمالية قليلة تتحكم في ثروات وموارد البشر ويسخر القوانين والأفكار والعقائد للحفاظ على مصالحهم جدير بالبشر أن يسارعوا في التخلص منه ومن كوارثه، وجدير بالبشر أن يبحثوا عن ملاذ لهم ينير لهم الدرب ويحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم ولن يكون ذلك إلا الإسلام.

الإسلام أولاً وأخيراً ولا غير

بأسلوب مزج بين الجدّ والهزل تارة وبين الاستدلال الفقهي (المغلوط) واستمداد الأحكام من الوقائع بعيداً عن الفقه وأصوله تارة أخرى كتب الشيخ راشد الغنوشي مقالاً له نشر عبر الجزيرة نت بعنوان "الحرية أولاً".



"الحرية أولاً" مقال ملأه الغنوشي بالمغالطات الفقهية والاستدلالات العقيمة وهجر النصوص الشرعية ووصف الأحكام المستمدة منها بالجمود، "الحرية أولاً" نموذج من نماذج التحريف الفكري المسمى بالتجديد زوراً وبهتاناً، وهو كذلك مثال صارخ على من اتخذ من الواقع مصدراً لتفكيره لا محلاً له وحاول إضفاء الصبغة الشرعية على الأفكار التي خلص إليها عقله باسم المصلحة ومقاصد الشريعة وفقه العصر.



قد يصاب القارئ لهذا المقال بالصدمة للوهلة الأولى حينما يذكر أن كاتبه هو أحد قادة الحركات الإسلامية "التجديدية!!" عندما يبحث في المقال عمّا هو متأخر عن الحرية أو ما هو المطلب الذي يأتي ثانياً بعد الحرية ليجد أنه الإسلام وتطبيق أحكامه. ولكن قد تزول تلك الصدمة إذا علم القارئ بأن كاتب المقال قد كان له سوابق عديدة ولوثات فكرية كثيرة حتى عدّه البعض من المجددين (أصحاب دعوى تحريف الدين باسم تجديده).



ولولا انتشار مقال الغنوشي عبر الجزيرة نت وفتح الأبواب الإعلامية أمام كتابات الغنوشي لما أحتاج مقاله هذا للرد لتهافته شرعاً عند من أحاط بأدنى العلوم الشرعية وعند من وعى الفكر الإسلامي.



يعيب الغنوشي في بداية مقاله عمن يقابل الحرية بالإسلام ويعتبر هذه المقابلة "بشعة" لاعتباره أن لا تصادم بين الحرية والديمقراطية وبين الإسلام، وهو في هذا المقام لا يقصد بالحرية التحرر من الاستعمار أو العبودية بل الحرية المنبثقة عن المبدأ الرأسمالي الذي يسميه البعض بالمبدأ الحر أو مبدأ الحريات وهي الحريات الأربع المعروفة بل إنه عاب على بعض الحركات والعاملين في الحقل الإسلامي رفضهم لفكرة الحرية والديمقراطية بقوله (لا تزال جماعات إسلامية تجعل من تكفير الديمقراطية رزقها وشنآن الحرية ديدنها، مجادلة أنه "لا حرية في الإسلام" بل تقيّد بأحكام الشريعة، في تقابل بشع بين الإسلام والحرية، بينما تكتوي شعوبنا بالاستبداد حتى اعتبر ممثل الوسطية الإسلامية الشيخ القرضاوي مطلب الحرية له الأولوية على مطلب تطبيق الشريعة).



ويبدو أن الغنوشي لم يفرق أو تعمد عدم التفريق بين الحرية التي تعني التحرر من الاستعمار والعبودية وبين مبدأ الحرية وهو المبدأ الرأسمالي القائم على عقيدة فصل الدين عن الحياة والذي انبثق منه النظام الديمقراطي كشكل لنظام الحكم الذي يجعل السلطات الثلاث بيد الشعب دون سواه فالتشريع فيه للناس لا لله والسلطات التنفيذية والقضائية للشعب دون أن تقيده أحكام أو تشريعات فالشعب حرٌ في حكم نفسه بالنظام الذي يختار وبالشخص الذي يختار ذكراً كان أم أنثى مسلماً كان أم كافراً.



ولا شك عند من أحاط بأدنى العلوم الشرعية في تصادم هذا المبدأ مع الإسلام الذي جعل أسمى صفات المسلم هي العبودية لله وحده ولا تعني العبودية هنا التقيد بالصلاة والزكاة والصيام فحسب بل التقيد بجميع أحكام الشريعة التي جاءت مكتملة وشاملة لكل جوانب الحياة ومستجداتها، كما أن النصوص الشرعية التي مرّت مراراً وتكراراً على الغنوشي وأمثاله تؤكد هذه الحقيقة الساطعة بما لا يدع مجالاً للشك أو الريبة فالله عزوجل يقول (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ويقول كذلك (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ويقول (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بل إن الحق تبارك وتعالى قد اعتبر ما سوى الإسلام كفراً وطاغوتاً واعتبر من يلجأ إلى التحاكم إليه أنه يزعم الإيمان زعماً وأمرنا بالكفر به ونبذه وتركه بقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) أفبعدَ هذه الآيات القطعية الثبوت والدلالة يأتي من ينافح عن اعتبار الديمقراطية بتشريعاتها وأحكامها ونظمها لا تتعارض مع الإسلام بل ويعتبرها مقصداً من مقاصد الشريعة!!! ساء ما يحكمون.



ويتناول الغنوشي في مقاله ما أسماه بمبدأ المواطنة الذي اشتهر بالقول به ويستدل عليه بوثيقة المدينة التي كتبها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بين أهل المدينة ومن جاورهم من يهود غير مفرق بين الأحكام الشرعية التي تحرم على المؤمن صراحة أن يكون للكافر سبيل أو سلطان عليه وحرمة أن يتولى الكافر الحكم لقول الله تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) وبين حقوق الرعوية التي تكفلها الدولة الإسلامية لكل من عاش في كنفها مسلماً كان أم ذمياً، فلا يعتبر الغنوشي تولي قبطي لحكم مصر "كارثة وطنية ولا معصية دينية، فالأمة معصومة من الضلال لو خلي بينها وبين حرية الاختيار، فقد عرفت مصر زعماء أقباطا على قدر عال من الوطنية والقبول الشعبي مثل مكرم عبيد، وكان بعضهم مستشارا ومقربا من حسن البنا." بحسب قوله، بل إنه يترحم على من تولوا الحكم من غير المسلمين بقوله "كما عرفت سوريا رئيسا لوزرائها مسيحيا هو فارس الخوري كان أداؤه جيدا وعلاقاته بالإسلام والإسلاميين ممتازة، فلم يخرب البلد، بل خلف وراءه ذكريات طيبة، ليت كل الذين جاؤوا بعده من الانقلابيين المسلمين ساروا سيرته". ويطالب الغنوشي بالتعددية القائمة على غير الإسلام وعقيدته وأحكامه بقوله "لا يزال في أوساط إسلامية معتبرة ضمن التيار الوسطي تردد في الاعتراف بأحزاب علمانية في دولة إسلامية، ومع أن وثيقة الإخوان في الاعتراف بالتعددية خطوة متقدمة فإنها سكتت في هذا الموضع، مع أن تراث أمتنا وسوابقها في القبول بالتعدد الديني والمذهبي متميزة عن أمثالها" ويمضي الغنوشي في استمداده لآرائه من الواقع الذي يعيش بعيداً عن أي نص شرعي أو اجتهاد فقهي بل إنه يستخدم منطق الغرب والحركات العلمانية بضرورة قبول الآخر الذي لا يمت لعقيدة الأمة ودينها بصلة بقوله "إنه لا سند حقيقيا يبرر الخوف على الإسلام من التعددية ومن الحرية عامة، فكل ما أصاب الإسلام والمسلمين كان في غيابهما. إذا كان هناك من خطر حقيقي نخشاه على الإسلام فهو جمود العقول واستبداد السلطان. أما الحرية فخير وبركة ومقصد عظيم من مقاصد الإسلام، تنتفي بانتفائها إنسانية الإنسان ويتعرض دين الله لأشد الأخطار. وكيف تستساغ مطالبة الإسلاميين الأحزاب الحاكمة وغالبها علماني بالاعتراف بها، بينما هم ليسوا مستعدين لأن يبادلوها نفس الاعتراف؟".



ويأتي الغنوشي في مقاله على محاولة الترويج لفكرة خطيرة وهي انتفاء واندثار فكرة الدولة الإسلامية التي يعتبرها نموذجاً تاريخياً لا حكماً شرعياً وحلول الدول الوضعية الإقليمية والوطنية مكانها بقوله (النموذج التاريخي للدولة الإسلامية الذي تأسس على شرعية الفتح قد انهار وحلت محله دول قطرية على أساس الاشتراك بالتساوي في المواطنة) في محاولة يائسة منه لتكريس هذه القطريات والإثنيات ناسياً أو متناسياً مضلِلاً أن المسلمين أمة واحدة وأنهم يدينون بدين واحد وقبلتهم واحدة وأنهم اليوم يتطلعون أكثر من أي وقت مضى إلى عودة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تلم شملهم وتضمهم تحت راية التوحيد وتطبق عليهم شرع ربهم وهذا الذي يخيف أعداء الأمة الإسلامية منها لا تجارب المشاركة في أنظمة الحكم الجاهلية، ولا "الوسطية" التي يرتمي أصحابها في أحضان الأنظمة التي يصفونها تارة بالاستبدادية وتارة بالإصلاحية وهي أنظمة لا وصف لها ولحكامها سوى بالكفر والظلم والفسق مصدقاً لقول الحق سبحانه (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، إن الذي أقلق بوش وبلير وبوتين وساركوزي ليس دولاً وطنية إقليمية صنعوها وصنعوا حكامها على عين بصيرة بل قيام دولة إسلامية واحدة تمتد من اندونيسيا حتى نيجيريا، ولكن يبدو أن الغنوشي لم يسمع بتصريحات قادة الكفر وتخوفات مراكزهم البحثية من عودة الدولة الإسلامية برغم عيشه في لندن!!!



ويصر الغنوشي على المضي في مغالطاته الفكرية والفقهية داعياً إلى تولي المرأة لولاية الأمر أي الحكم معتبراً الرأي الفقهي الذي يقول بحرمة ذلك خطأً موروثاً ومعتبراً أن العبرة "بتحقق المصلحة بصرف النظر عن الجنس. ومصلحة الأمة من الحاكم لا تتأتى من نوع جنسه وإنما من كفاءته في تحقيق العدل، مدار السياسة الشرعية كلها، فحيث العدل حيث شرع الله." متناسياً أن منصب الحكم والخلافة في الإسلام هو منصب شرعي قد نص الشارع عليه وعلى صفات من يتولاه وأمر بعزله في حالة فقدانه لبعض الصفات بل وأمر بالخروج عليه بالسيف إن هو حكم بغير الإسلام، لكن كيف للغنوشي أن يدرك ذلك وعقله وهمّه في محاولة تحريف الأحكام الشرعية وهو يعتبر منصب الحكم "الخلافة" في الإسلام قد اندثر وتحول إلى عصر المؤسسات وذلك ظاهر بقوله "على أنه حتى مع التسليم بأن الحديث المذكور قطعي الدلالة في منع الولاية العظمى عن المرأة، فإن هذا المنصب قد زال جملة، لتحل محله إمارات ورئاسات قطرية محدودة، لا سيما وقد تحولت الدولة في عصرنا مؤسسة محكومة بقوانين وترتيبات تمنع الانفراد بالقرار وتكاد تحوّل الرئاسة إلى مؤسسة رمزية بينما القرار حسب القانون يتخذ بعد التشاور بأغلبية الهيأة المقررة." وهذا قول واضح في رده للحكم الشرعي بسبب تغير الواقع فهو يقول "على أنه حتى مع التسليم بأن الحديث المذكور قطعي الدلالة في منع الولاية العظمى عن المرأة" فالغنوشي يريد جعل الواقع ومتغيراته حَكَماً على الأحكام الشرعية لا أن يجعل الواقع يخضع للأحكام الشرعية فيغير الواقع ليطبق حكم الله بل يريد تغيير حكم الله لينطبق وفق أهوائه على الواقع.



هذا جزء من كل وغيض مما فاض به مقال الغنوشي الذي لا يجد فيه المرء سوى المغالطات واللوثات الفكرية التي يحاول الغنوشي وصمها بالإسلامية بطرحها بسبب منصبه كأحد قادة الحركات الإسلامية التي تدعّي نهضة المسلمين.
لقد كان الأجدر بالغنوشي لو كان حريصاً على نهضة الأمة الإسلامية ورفعتها وتخلصها من استبداد الأنظمة الطاغوتية وقهرها أن يكاتف جهوده مع العاملين المخلصين الساعين لنهضة هذه الأمة وإقامة مشروعها الحضاري الذي سيمثل بديلاً حضارياً للرأسمالية التي اكتوى العالم بلظاها لا أن يعمد إلى بث مغالطاته ولوثاته الفكرية لتكون عائقاً ومضلِلاً للمسلمين عن تلك الغاية السامية فتبقيهم رهن الواقع الذليل الذي يعيشون ورهن الإرادة الدولية الاستعمارية ورهن أفكار الحضارة الغربية النتنة.



(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )

معضلة الشرعية في قضية فلسطين


يشغل إعلان إجراء الانتخابات مطلع العام 2010م الفرقاء الفلسطينيين بين أخذ ورد وبين مؤيد لذاك الإعلان ورافضٍ له بحجة أنه يأتي قبل المصالحة، وبين من يدعي الشرعية وتمثيل أهل فلسطين وبين من يصف المدّعي بفاقد للشرعية، وبين من يصف هذا الإجراء بالإجراء الدستوري ومن يصفه بمخالفته للدستور الفلسطيني، فهل ثبتت الشرعية من قبل لأحد من هؤلاء الفرقاء فكانت تصرفاتهم تصرفات "شرعية"؟! وهل كانت اتفاقياتهم بشأن قضية فلسطين اتفاقيات "شرعية" يلتزم بها أو تحترم؟! أم أن هؤلاء لا يملكون من صفة الشرعية سوى زعمها؟!

مع كل فصل من فصول قضية فلسطين وعند كل مفترق طرق تمر به هذه القضية تطفو على السطح قضية الشرعية، ويدعو البعض إلى انتخابات رئاسية أو تشريعية أو بلدية، وتتكرر دعوة الانتخابات هذه كذلك في معظم البلدان العربية والإسلامية كلما ألمّ بنظام الحكم فيها فقدان ثقة أو بانت عوراته واتسعت الخروق في ثيابه البالية.

فما سر الدعوة إلى الانتخابات كفكرة يُروج لها سياسياً وفكرياً؟ وأين تقع في سياق قضية فلسطين؟

يتفق أطراف اللعبة السياسية في بلدان العالم الإسلامي ومنها فلسطين على أن الانتخابات شكل من أشكال ممارسة الديمقراطية وإن اختلفوا على مواعيدها أو نزاهتها أو غير ذلك، وهي (أي الانتخابات بشكلها الراهن) تُعد مطلباً ونهجاً للفرقاء من غير أن يفرقوا-وقوعاً في الخطأ أو بقصد التضليل- بين أسلوب من أساليب الاختيار وبين فكرة تمثل شكل نظام الحكم في مبدأ فاسد تعاني منه البشرية أشد من معاناتها من أكثر الأمراض فتكاً وانتشاراً.

إن الانتخاب أسلوب من أساليب الاختيار ولكنّ هذا الأسلوب لم يكن في يوم من الأيام هو من يحدد وجهة النظر عن الحياة، ولم يكن كذلك هو من يحدد ما الغرض الذي يجوز أن تعقد له انتخابات وما لا يجوز، بل هو أسلوب يصلح لاستخدام البشر جميعاً بغض النظر عن ماهية المبدأ الذي يعتنقون، وبغض النظر عن الشأن الذي يخضع لعملية الانتخاب.

بينما تحمل الديمقراطية في طياتها وجهة نظر عن الحياة وتعمل على استخدام أسلوب الانتخابات لإضفاء الشرعية على السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية المنبثقة من وجهة نظرها، فالديمقراطية تنتهج أسلوب الانتخابات لإضفاء الشرعية على الهيئات المذكورة، وإضفاء الشرعية هذا نابع من وجهة النظر الغربية من أن الشعب هو مصدر السلطات فهو -أو من ينوب عنه- المخوّل الوحيد في الحكم والتشريع والقضاء، فشرعية نظام الحكم لديهم نابعة من وجهة نظرهم، لا من مجرد اعتماد الانتخابات كأسلوب لذلك.

والمسلمون في فكرهم وعقيدتهم يختلفون مع فكرة الديمقراطية اختلافا كبيراً بل إنه اختلاف النقيض للنقيض، فالشرعية لا تُضفى على أحد أو اتفاقية أو عمل ما من خلال استفتاء أو انتخابات بل الشرعية تُكتسب إذا كان العمل متقيداً وملتزماً بالحكم الشرعي، ففي نظر المسلمين وعقيدتهم هناك مصدر واحد للشرعية هو الشرع الإسلامي ولا شرعية سواه، لذا نجد أن الحق سبحانه قد شدد على بطلان كل من يبحث عن شرعية بديلة، أو يلجأ إلى جهات أخرى، بأن سمى تلك الجهات طاغوتاً ووصف من يلهث وراءها بأنه يزعم الإيمان زعماً بقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)، بل إنه اعتبر أن من سجية المؤمن الحق أن يسلّم بالحكم الشرعي تسليماً مطلقاً، وأن لا يقبل عنه بديلاً أو خياراً آخر فقال سبحانه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا). بل إن الإسلام لا يرى وجود السلطات الثلاث التي يتحدث عنها المبدأ الرأسمالي الديمقراطي ولا يعترف بتقسيماتها، وإن كان يرى بأن الأمة هي صاحبة الحق في انتخاب الخليفة الذي يحقق المتطلبات والشروط الشرعية، فالسيادة في الإسلام هي للشرع والسلطان للأمة، فليس للأمة أن تحدد الشروط الواجب توفرها فيمن سيتولى منصب الخليفة، وإن كانت هي من تنتخبه ممن تحققت فيهم الشروط المطلوبة شرعاً.

غير أن المسلمين وبعد غياب دولتهم الإسلامية، دولة الخلافة، وبعد أن نُحي الإسلام عن سدة الحكم، وبعد أن دار الزمان دورته فأصبحت الصولة والجولة للكفار، وطغى مبدؤهم الرأسمالي الديمقراطي، أصبح نهج التفكير الغربي هو النهج المتبع لدى الطبقة السياسية في العالم الإسلامي، وأصبحت الديمقراطية هي السمفونية الوحيدة التي تطرب لها آذانهم وتتغنى بها حناجرهم وهي في حقيقتها تركٌ لأحكام الإسلام وإتباعٌ للمبدأ الرأسمالي الديمقراطي.

وبعد هذا السرد الفكري والنظري الموجز لموضوع الديمقراطية يتضح لنا أهمية طرح موضوع الانتخابات لدى الأطراف الدولية الفاعلة على المسرح الدولي في قضية فلسطين، فالانتخابات يراد لها في فلسطين أن تُخرج من بين الفرقاء من يمثل أهل فلسطين، ليكون وكيلاً "شرعياً" عنه في الحلول السياسية التي أعدتها تلك القوى لهذه القضية منذ عقود عدة، والقائمة على تثبيت كيان يهود كخنجر مسموم في قلب الأمة الإسلامية وحجر عثرة أمام وحدتها، فالقوى الغربية الاستعمارية ومعهم دولة يهود تنطلق من المنطلقات الغربية في التفكير، وهي ترى وتدرك بأن الاحتلال لن يضفي "شرعية" على وجوده في فلسطين وإن كانت له القوة والظهور ما دام محتلاً، فهم حريصون كل الحرص على أن يكون هناك طرف حقيقي يمثل معظم أهل فلسطين ليعقدوا معه الاتفاقيات وليكون أداة تضفي على كيان يهود "الشرعية" التي تملّكهم أرض فلسطين "من وجهة نظرهم"، وهذا يفسر ترحيب الدول الغربية لخوض الحركات الإسلامية غمار هذه الانتخابات، وإن أدت أحياناً إلى خلافات سياسية ونتائج ربما لعقتها الدول الغربية أو حاولت تسخيرها عبر الحصار والتضييق، ولكن خوض هذه الحركات -التي تمثل شريحة كبيرة من المسلمين- لخضم الحلبة السياسية التي تدار دفتها من واشنطن ولندن والانخراط فيما يسميه البعض باللعبة الديمقراطية يعد إنجازاً للدول الغربية وهدفاً ثميناً لها.

إن الدعوة للانتخابات-بعيداً عن التجاذبات السياسية والفصائلية- لتشكيل أو إخراج قيادة أو مرجعية "يفوضها" أهل فلسطين، أو تزعم التفويض تحت ستار الانتخابات الكاذبة، لتلج غمار المفاوضات السياسية أو لتكون مرجعية سياسية فيما يتصل بالقضية الفلسطينية ليكون بيدها الحل والعقد والأمر والنهي، تعد تخلياً عن الشرعية الحقيقة وطلباً لها من غير مظانّها، وتحيل القضية من قضية شرعية إسلامية وقضية مقدسات وأرض خراجية لا يملك أحد حق التصرف والتفريط بها إلى مجرد قضية شعب احتلت أرضه وله أن يتصرف هو أو من ينيبه بما يراه مناسباً ومتلائماً مع الواقع السياسي والظرف الدولي وميزان القوى وما إلى ذلك من المصطلحات التبريرية بغض النظر عن أية أحكام شرعية.
إن الدعوة للانتخابات سواء أكانت باتفاق "مصالحة" بين الفرقاء الفلسطينيين أم بدون اتفاق، وسواء أكانت قانونية قياساً بالدستور الفلسطيني أم ليست قانونية، هي في الحقيقة لإضفاء "الشرعية" بالمفهوم الغربي على من سيمثل أهل فلسطين في حلول التصفية لقضية فلسطين، وموضوع الإختلاف حول موعدها أو شروطها بأن تكون قبل أو بعد المصالحة لا يُخرج الانتخابات في فلسطين عن وصفها آنف الذكر.
إن الشرعية الحقيقية بالنسبة لأهل فلسطين، وهي المستمدة من عقيدتهم وشرع ربهم، قد حكمت بالقول الفصل بأن كيان يهود ليس كياناً شرعياً ويجب قتاله وإخراجه من أرض المسلمين المحتلة، وأن لا أحد من المسلمين علاوة على أهل فلسطين مخولٌ البتة بالتنازل أو المساومة على شبر محتل منها، بل إنه لا حل لها سوى تحريرها، وإن أية اتفاقيات مع كيان يهود المحتل مهما كان من وقّعها، منتخباً كان أو مزوراً، هي اتفاقيات غير شرعية، كما أن كل سلطة تنشأ تحت الاحتلال هي سلطة غير شرعية وكل نظام حكم لا يحكم بالشرع الإسلامي في كل جوانب الحياة هو نظام غير شرعي كذلك، وإن تغنى بالإسلام ورفع شعاره، فالشرعية من وجهة نظر عقيدة المسلمين هي الشرعية المستمدة والمتقيدة بالأحكام الشرعية ولا شرعية سواها.

إن حالة التيه والتخبط التي يعيشها الفرقاء الفلسطينيون وإختلافهم حول مرجعيتهم وشرعية تصرفاتهم لم تكن لتكون لولا أن هؤلاء الفرقاء قد اتخذوا أحكام الإسلام وراءهم ظهرياً وتركوا شرع ربهم وانحازوا للمشاريع والمخططات الغربية بأسمائها ومسمياتها المتعددة، فكانت تصرفاتهم خبط عشواء، ولقد عبر الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلّم- عن حالة التيه هذه عندما خط لصحابته خطا، ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)"، فهل آن للفرقاء الفلسطينيين أن ينحازوا لشرع ربهم ويتقيدوا بأحكامه وأن ينبذوا كل طواغيت الأرض وأتباعها؟

شيخ الأزهر على خطى الإليزيه والبيت الأبيض

منع الحجاب، حظر النقاب، محاربة الإرهاب، مواجهة التشدد والتطرف، شعارات أعتدنا على سماعها من أفواه أعداء الأمة من قادة الدول الغربية، في فرنسا حيث الرذيلة وهتك الأعراض وكشف العورات وانتهاك المحرمات هي سمة المجتمع، والفضيلة والعفة والحشمة تطهرٌ "مشين" ينبغي التخلص منه وإخراج أهله من بين ظهرانيهم، وفي البيت الأبيض الذي يحارب الإسلام باسم محاربة الإرهاب والتطرف والتشدد،

ليس ذلك غريباً على قوم تمتلئ صدورهم غيظاً وحقداً على المسلمين ويغيظهم كل تمسك للأمة بدينها وكل توجه وتطلع نحوه، وترتعد فرائصهم بمجرد التفكير بإمكانية عودة الإسلام إلى الحياة في دولة، لكن المستهجن والمستنكر أن تصدر تلك الشعارات والدعوات من معقل من معاقل تعليم الإسلام وأحكامه من الأزهر الشريف وعلى لسان كبيره الذي-للأسف- لم يترك فعلاً مشيناً يسيء للأزهر وعلمائه ويناصر فيه الحكام الطغاة والكافرين في حرب الإسلام وأهله إلا فعله، فهل تصدر تلك الأفعال والمواقف عن مؤمن تقي نقي علاوة عن صدورها عن عالم بالشريعة محيط بأحكامها؟!

ليس الغرض من هذا المقال نقاش مسألة النقاب نقاشاً فقهياً كما أن فعل شيخ الأزهر لم ينطلق من منطلقات فقهية بل من منطلقات سياسية واضحة غلّفها بأقوال فقهية وله في ذلك سوابق عديدة، ولا أدل على ذلك من تأييده لفرنسا بمنعها النقاب ومن قبلها غطاء الرأس في المدارس والمؤسسات الحكومية، فمنع شيخ الأزهر ارتداء النقاب في مؤسسة الأزهر هي رسالة عنوانها أن علماء الغفلة من علماء السلاطين ومن ارتمى في أحضانهم والحكام والكفار صف واحدٌ في حرب الإسلام وأهله وأن ما أغاظ فرنسا والدول الغربية من تمسك المسلمين بأحكام دينهم -حتى تلك المتصلة بأحوالهم الشخصية- يغيظهم كما يغيظ أسيادهم، ولسائل أن يسأل هل أصدر شيخ الأزهر قراراً بمنع الزائرات المتبرجات أو الكاشفات لشعورهن من زيارة الأزهر والمعالم التاريخية والإسلامية بل هل أعتبر شيخ الأزهر التبرج فعلاً مشيناً وعادة قبيحة ليست من الإسلام وينبغي الإقلاع عنها أم أنه عدّ ذلك جزءاً من الحرية الشخصية التي ينص عليها المبدأ الرأسمالي الذي يتخذه النظام المصري مصدراً لتشريعاته؟! وهل أبدى شيخ الأزهر امتعاضه من الحصار الخانق الذي يضربه النظام المصري على المسلمين في غزة؟! أم عدّ ذلك جزءاً مما هو لقيصر(مبارك) ولا شأن للإسلام فيه؟!

إن هذه الحادثة وأمثالها تكشف عن مدى الانحطاط الذي وصل إليه علماء السلاطين في موالاتهم للحكام والغرب وعن مدى تفريطهم بأحكام دينهم مقابل دراهم معدودة، ألا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش.

إن دور العلماء في تاريخ الأمة طوال عصورها كان دوراً ريادياً مؤثراً، فتاريخ الأمة سطر مواقف الصدع بالحق ومواقف العز التي وقفها علماء الأمة فكانت مشاعل هداية لها، فذاك أحمد بن حنبل وذاك أبو حازم وابن جبير وابن المسيب والعز بن عبد السلام وغيرهم، ولقد أدرك الكافر المستعمر منذ اللحظة الأولى أن في الأمة صنفان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء، لذا نرى بأن الكافر المستعمر قد أعدّ حشداً من علماء السلاطين ليناصروا أتباعه من الحكام وليفسدوا على الأمة دينها، فعلماء السوء والغفلة والحكام هم جوقة واحدة تغرد بتناغم في سرب الاستعمار وتناصره على الأمة في أدق تفاصيل دينها، فهؤلاء هم معاول هدم الدين والعثرة التي تسعى لإعاقة الأمة عن هدفها.

إن في الأمة علماء مخلصين يسعون لنهضتها ويقفون مواقف أسلافهم بالصدع بالحق والجهر به ومناصبة الحكام والكفار العداء كأمثال الغر الميامين الذي اجتمعوا في جاكرتا ملبين نداء الخلافة وساعين لإقامتها في حشد غابت عنه وسائل الإعلام، فهل آن للأمة وبعد هذه المواقف الفاضحة أن تدرك أن علماء السلاطين جزء من واقعها السيئ وأن لا تثق وتنخدع بهم؟! وهل آن لها أن تدرك من هم العلماء بحق فتنفض عمن باعوها في سوق النخاسة وحرّف دينها أو هادن الحكام الطغاة وأسيادهم على حساب قضاياها وتلتف حول العلماء العاملين المخلصين وتسعى معهم ومع العاملين لنهضتها وعزها؟