كلينتون ودول الشرق الأوسط وهاجس الخلافة


في تصريحات تكشف عن النظرة الحقيقية التي ترقب من خلالها الإدارة الامريكية المنطقة، قالت وزيرة الخارجية الامريكية الخميس 13-1-2011م : "إن دول الشرق الاوسط تحتاج لإصلاح المؤسسات الفاسدة وانعاش النظام السياسي الراكد والا فإنها معرضة لخطر الهزيمة في مواجهة التشدد الاسلامي."
وأضافت " الكثير من دول الشرق الاوسط غير ديمقراطية وتواجه خطرا متزايدا من حركات التطرف الاسلامي."
واعتبرت أن "من يتمسكون بالوضع الراهن قد يتمكنون من اخفاء الاثر الكامل لمشاكل بلدانهم لفترة قصيرة لكن ليس للابد."
وأضافت: "كلنا نعلم أن هذه المنطقة تواجه تحديات خطيرة تتجاوز حتى الصراعات التي تتصدر العناوين كل يوم".
ورأت أن "عددا كبيرا من زعماء المنطقة أخفقوا في بناء مستقبل يمكن للشبان أن يؤمنوا به وأن يبقوا من أجله ويدافعوا عنه."
وتابعت كلينتون قائلة إن "الناس الان على علم بما لم يكونوا يعلمونه قبل 20 أو 30 عاما.. وهو أن الكثير من ثروات الحكومات في يد فئة قليلة لا كثيرة وذلك في عدد كبير جدا من الدول".

إن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هذه لتؤكد على أن الإدارة الامريكية يخيم عليها هاجس الخلافة "المشروع الإسلامي للمنطقة والعالم"، وأن تحركاتها ودعوتها للأنظمة لإصلاح أنظمة حكمها المتعفنة هو للحيلولة دون أن يتمكن من أسمتهم "بالمتشددين الإسلاميين" من الوصول إلى سدة الحكم وقلب الأوضاع في الشرق الأوسط وبلاد المسلمين بل والعالم رأساً على عقب.

إن أمريكا ترى "الديمقراطية" في بلاد الشرق الأوسط كما ترى الاستعمار، وعينها في كليهما على عرقلة المشروع الإسلامي، فها هي كلينتون تدعو دول الشرق الأوسط لمزيد من "الانفتاح" و"الديمقراطية" ليس لإعطاء الناس حقوقهم الطبيعية أو لإنصافهم ورفع الظلم عنهم بل لتحول دون التفافهم حول المشروع الإسلامي والمتمثل بالخلافة، وإلا فالإدارة الأمريكية كانت ترى وتشاهد بل وترعى تجبر هذه الدكتاتوريات القائمة في بلاد المسلمين والشرق الأوسط على وجه الخصوص، وكانت تسكت وتصمت عن كل جرائم تلك الأنظمة ولم تتحرك وتدعو تلك الانظمة لإحداث تغييرات إلا بعد تخوفها مما تراه طامة كبرى تحيق بها وبنفوذها في الشرق الأوسط.

فالديمقراطية هي سيف لقطع الطريق على من تسميهم امريكا "بالمتشددين الإسلاميين" من السيطرة على الاوضاع في المنطقة، وإن لم تفلح الديمقراطية فالاستعمار هو البديل كما استعمرت أفغانستان والعراق.

لكن أمريكا تدرك بأن الناس كما عبرت كلينتون "الان على علم بما لم يكونوا يعلمونه قبل 20 أو 30 عاما" وأن الناس باتوا يدركون تبيعة هؤلاء الحكام لها ولبقية الدول الاستعمارية وباتت الناس تدرك بأن الحكام ليسوا من جنسها ولا يحملون همها بل هم سيف مصلت على رقابها، لذا فأمريكا تدرك كذلك بأنها –بدعواتها لإصلاح أنظمة الحكم الموالية لها وللاستعمار في المنطقة- تراوغ في الوقت بدل الضائع وما عاد ينفع مع الناس أي من الحلول الترقيعية.

إن ما لا تدركه أمريكا او تحاول التغافل عنه أو حتى طمسه، هو أن التفاف الناس حول المشروع الإسلامي لا ينبع من مجرد سوء الاوضاع الراهنة وضيق العيش بل ينبع من مفاهيم أعماق ترسخت في قلوب المسلمين، ومن امتداد لتاريخ عريق تسنم فيه المسلمون مقاعد العز والسؤدد، وأن تطلعهم نحو استعادة مكانتهم وسعيهم للتخلص من انظمة الجور لا ينبع من الفاقة ومجرد الشعور بالظلم –وإن كان ذلك يعززه- بل ينبع من رؤية للكون والإنسان والحياة، وينبع من تطلع لدور المسلمين في العالم ورسم سياسته وحملهم لرسالة الإسلام هداية للعالمين.

إن الثورات الشعبية التي تكتسح بعض البلدان العربية والمرشحة للانتشار في بقية البلدان الأخرى، لا يقف خلفها مجرد ضيق العيش وطلب تحسين وسائل المعيشة، وأمريكا تدرك ذلك أيما ادراك فلقد اعتبرت كلينتون أن " المنطقة تواجه تحديات خطيرة تتجاوز حتى الصراعات التي تتصدر العناوين كل يوم".، وفي ذلك اشارة على أن ما تخشاه امريكا هو ما يقف خلف تلك الأحداث وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع.

إن هذه التصريحات تكشف عن طبيعة الصراع بين القوى الاستعمارية وعلى رأسها امريكا وبين المسلمين، وأن هذا الصراع يتعدى الهيمنة على الموارد والثروات إلى صراع أيديولوجي وصراع مشاريع للمنطقة والعالم، وكل محاولة لطمس طبيعة هذا الصراع هي محاولة لتضليل المسلمين وحرف أنظارهم عن استهداف امريكا والدول الاستعمارية لدينهم ومبدئهم. 

إن الواجب الملقى على عاتق المسلمين اليوم أن يتحلوا بالوعي السياسي وان لا يسمحوا للاهثين خلف المشاريع الغربية والساعين للحيلولة بين الامة ومشروعها الحضاري ان يكرسوا هذه التحركات الشعبية لصالح مخططات استعمارية بديلة عن الانظمة الاستعمارية الراهنة، وأن لا يسمحوا لحرف هذه التحركات عن مغزاها وتطلعها الحقيقي الرامي إلى قلع أنظمة الحكم الراهنة التي اكتووا بنيرانها وأن لا يسمحوا بمحاولة إسكاتهم ببعض الإجراءات السخيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لقد بات واضحاً أن مشاريع الديمقراطية والاستعمار على حد سواء تكرس لضرب الأمة ومشروعها الحضاري، ومهما سعت أمريكا لإصلاح انظمة الجور هذه وتطعيمها ببعض الديمقراطية الزائفة فلن تجلب سوى الويل والثبور لهذه الامة وستفشل كما فشلت هذه الدكتاتوريات. لذا على الامة أن تتجاوز خوض تلك التجارب الفاشلة من جديد وان تتطلع وتغذ السير نحو التغيير الحقيقي الذي يكفل لها أن تُحكم وفق رؤيتها وعقيدتها، وان تحيا حياة كريمة وأن تستعيد مكانتها المرموقة بين الأمم.

لقد آن الأوان لأن تعلي الأمة الصوت في وجه المستعمرين وأذنابهم، أن قد سبق السيف العذل وأن لا مكان لكم بين ظهرانينا ولا كيل لكم عندنا ولا تقربون.

بارونات المال والنفط والسلاح هم راسمو السياسة الغربية


في مقال له نشر على صحيفة "ذي اندبندنت" مؤخراً، تناول الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك حروب الشرق الأوسط وأزماتها من زاوية مالية، أبرز من خلالها حجم الخسائر التي تتكبدها الدول في هذه الصراعات، وتكلفة هذه الحروب والتي تقدر بالأرقام الفلكية.

ولم يكشف فيسك سراً عندما تحدث عن تمويل دول الخليج لحرب الخليج الثانية، وعشرات المليارات التي دفعها النظام السعودي والكويتي كفاتورة للتدخل الأمريكي.

وعرّج فيسك بشكل مستور على الصراع الاستعماري الذي يستنزف المنطقة وكلفته المالية، حيث قال "إلاّ أن دافعي الضرائب الاميركيين كانوا من بين الذين سددوا تلك التكاليف (بتمويلهم للإسرائيليين) وكذلك الحال بالنسبة لدافعي الضرائب الاوروبيين وللحكام العرب ولغريبي الاطوار في ايران (بتمويلهم للبنان). وهكذا يعمل دافع الضرائب الاميركي على تهديم ما اعاد دافع الضرائب الاوروبي بناءه".
ورأى فيسك أن تجار السلاح الأمريكيين يحصلون على أرباح مهولة جراء تلك الحروب.

لقد أثارت هذه المقالة بعضاً من الإضاءات الجيدة على إهمال السياسة الدولية للقيمة الإنسانية وللمجتمعات البشرية ومرورها على حياة الآلاف بل مئات الآلاف من البشر مرور الكرام!

لكن مقالة فيسك كانت قاصرة في جوانب عدة؛ من أبرزها تشخيص السياسة الغربية، أوروبية كانت أم أمريكية، ودوافعها، وتاريخها الذي ينبئ عنها بحقائق وأرقام لم تخطئها عين بصيرة. الأمر الذي دعاني لكتابة هذه السطور لأسلط فيها الضوء على مرامي السياسة الدولية وأهدافها ومن يقف خلفها.

يتشكل الموقف الدولي الذي يحدد هيكل العلاقات السياسية الدولية من الدولة الأولى في العالم والدول المؤثرة سياسياً والمزاحمة لها. حيث تلعب تلك الدول الدور الرئيس في إدارة شؤون العالم، وهناك لاعبون فرعيون وآخرون مجرد كرات تتقاذفها أرجل السياسيين.

وتعتلي الولايات المتحدة الأمريكية قائمة اللاعبين الدوليين في الوقت الراهن يليها دول أوروبا ممثلة في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وتليها روسيا، وتحتل اليابان والصين مركزاً اقتصاديا يؤهلها للتأثير في قضايا إقليمية محدودة.

وترتكز كل من الولايات المتحدة وأوروبا في رسم سياستها الخارجية على المبدأ الرأسمالي، والذي يعد الاستعمار مكوناً رئيساً من مكوناته بل هو طريقة نشر المبدأ الرأسمالي للأمم والشعوب الأخرى، بل إن الاستعمار بسبب ثماره اليانعة وبسبب الأفواه الغربية الشرهة والجشعة بات غاية الدول الغربية ومحط أنظارها.
وجراء الصراع الاستعماري بين كل من أمريكا وأوروبا على نهب ثروات العالم، أخذ الاستعمار أشكالا متعددة منها العسكري ومنها السياسي والاقتصادي...لتتلاءم هذه الاشكال مع الدول الاستعمارية وتطلعاتها.

الثابت في كل المعطيات السابقة أن الذي يحكم علاقة القوى الفاعلة سياسياً ببقية دول العالم هو الاستعمار، وأن القوى الاستعمارية لا ترى في بقية دول العالم سوى لقمة تريد التهامها أو فريسة مهيأة للصيد.

تلك النظرة هي التي جعلت الرأسماليين وأصحاب الشركات الكبرى ومصانع السلاح وبارونات النفط هم راسمو السياسة الغربية، فبيدِ هؤلاء أن يأتوا برئيس وأن يخلعوا آخر، وبيدِ هؤلاء أن يعلنوا حرباً أو يوقفوها، وبيد هؤلاء أن يحددوا معالم السياسية الخارجية بل وتفصيلاتها، فهم من يمول الحملات الانتخابية للأحزاب الحاكمة وبيدهم الإعلام وبيدهم رأس المال.

يقول ويليام غرايدر، صاحب كتاب من سيخبر الشعب Who Will Tell The People، يقول فيه ..."إن الديمقراطية الأمريكية تعاني من خلل أعمق بكثير مما يريد معظم الناس الاعتراف به. فخلف هذه المظاهر الزائفة التي تبعث على الاطمئنان مثل مسابقات الانتخابات المنتظمة وغيرها، تم إفراغ الحكومة الذاتية من مفهومها الجوهري... وعلى أعلى المستويات في الحكومة، انتقلت سلطة صنع القرار من الأكثرية إلي الأقلية، تماماً كما يشك في ذلك الأفراد والمواطنون العاديون. وبدلاً من الرغبة الشعبية، تستجيب الحكومة الآن لإملاءات الطبقة الصغيرة التي تستحوذ على السلطة، التي تمثل مصالح المنشآت الاقتصادية الكبرى والثروة المتركزة في أيدي النخبة والصفوة من الناس ذوي التأثير البالغ... لقد تقلص الاختلاف والتباين المفيد والمعقد بين أفراد الأمة ليصبح سلعة بلهاء أطلق عليها اسم الرأي العام، الذي يمكن بسهولة التلاعب به أو إثارته بالشعارات، أو التصورات التي تطلقها وسائل الإعلام والدعاية".
لذا فدافع الضرائب الأمريكي أو الأوروبي لا يقدم ماله أو حتى روحه وأرواح أبنائه جراء مغامرات سياسية بل لجلب منافع استعمارية لبارونات المال والنفط والسلاح. مما جعل المواطن الأمريكي والأوروبي ضحية سياسات استعمارية لا تعود عليه بالنفع بل تعود خيراتها على مصاصي الثروة والذين لا يتجاوزون  2 أو 5% من نسبة السكان في كل من الولايات المتحدة وأوروبا على أبعد تقدير.

إن الإنسان لا قيمة له في النظرة الاستعمارية، بل القيمة في المال وما سيجلب من منافع جمة، وإن ادعاء نشر الديمقراطية والحريات وأضرابها ليست سوى دعاوى زائفة يراد لها أن تبرر أفعال مصاصي الدماء هؤلاء أمام شعوبهم وأمام العالم، والحقيقة التي ما عادت تخفى على أحد أن السياسة الأمريكية ومثلها الأوروبية، تصب في منفعة بارونات المال والنفط والسلاح.

إن مثلث الفساد هذا هو الذي يحكم علاقات الولايات المتحدة بالعالم، وهو الذي يرسم لها السياسات، فلأجل هؤلاء شنت الولايات المتحدة حرب العراق، ولأجل هؤلاء أحتلت أفغانستان، ولأجل هؤلاء لا زالت مستعدة لخوض أي حرب قادمة إن رأت فيها مصلحة مادية، وبسبب هؤلاء غرقت أمريكا والعالم في أزمة اقتصادية لا نهاية لها.

والأمر المؤكد أن السياسات الغربية الكاذبة لا تقيم وزناً لأرواح أبنائها سوى بالقدر الذي يمكن أن يخلق رأياً عاماً يعطل مصالحها أو تمرير سياساتها الاستعمارية.
أما عن أرواح بقية البشر فلا وزن لهم ولا اعتبار، وكل التباكي على أطلال الإنسانية وحقوقها ليست سوى أكاذيب ومحض تضليل، وهيتي وأطفال الصومال شاهد متواضع على ذلك.
ونظرة تاريخية بسيطة ترينا أن المبدأ الرأسمالي بدوله وسياساته الاستعمارية هو من جلب الشقاء لشعوبه وللبشرية جمعاء.

فالدول الغربية هي من أشعلت حربين عالميتين لا نظير لهما، أودتا بحياة الملايين دون أن تقيم لهم وزناً او اعتبار، وكانت الهيمنة السياسية الدولية التي يتبعها شره استعماري يقف خلف تلك الحروب خلافاً لما يروج له من اسباب ظاهرية خادعة.

وسياسات أمريكا الرأسمالية هي من سببت للعالم أزمة اقتصادية أرهقته وسلبته ماله وثرواته جراء سيطرة دولارها على اقتصاد العالم، لتحمّل العالم عبء تصرفات بارونات وول ستريت وسرقتهم للأموال والجهود والثروات.

إن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها البشر ليست المغامرات السياسية، وليست خسارة الأموال والإنفاق على الحروب فحسب بل هي المبدأ الرأسمالي بعينه الذي خلف هذه السياسات وهذه الطبقة المتحكمة في مصير العالم والتي لا ترقب فيه إلاً ولا ذمة.

أما عن تشخيص واقع الأنظمة العربية وما يسمى بدول العالم الثالث فهي بلا شك لا وزن لها في رسم السياسات الدولية بل هي الكرة التي تتقاذفها أرجل السياسيين الغربيين، وبلدانها هي ساحات الصراع الاستعماري، وأبناؤها هم وقود هذا الصراع، وثرواتها هي ما يزيغ أبصار المستعمرين.
وبالرغم من ذلك كله، فالمسلمون هم المؤهلون للعب دور ريادي في إنقاذ العالم وتخليصه مما يعانيه، وتحريره من هيمنة مصاصي الثروة.

فالأمة الإسلامية تمتلك مبدأ قادراً على تطبيق العدل ونشره، ولديها من الطاقات البشرية والمادية ما يمكنها من لعب هذا الدور، ولطالما كانت الأمة الإسلامية وأبناؤها شموعاً تحترق لتضيء للآخرين العتمة، ولم تكن المصالح المادية أو الاستعمارية واردة في حساباتها يوماً، فهي أمة مبدئية تقدم روحها وأموالها في سبيل المبدأ ونشره ليعم الخير على البشرية.

وها هي الأمة عبر ثلة سياسية واعية تسعى من جديد لتستعيد الأمة الإسلامية مكانتها بين الأمم لتباشر إنقاذ العالم وتحريره. لكن تلك المساعي لا تروق لبارونات المال والنفط والسلاح، فيستنفر هؤلاء سياسييهم وجيوشهم فيعلنوا الحرب على كل ما يمكن أن يهدد نفوذهم، ولو أدى ذلك إلى أن يدوسوا قانونهم بأقدامهم، أو أدى إلى تدمير دول بأكملها.
لكن عتمة هؤلاء الخفافيش لن تدوم وسيسطع فجر الإسلام قريبا ليبدد هذه الظلمة وينشر العدل والخير والهدى للعالمين.

الفاتيكان وتضليله السياسي

لا يخفى على المتابع عمق الخصومة التي تكنّها مؤسسات الغرب النصرانية للإسلام وأهله، وبالرغم من دعوات الحوار الزائفة ومحاولة التقريب بين الأديان التي تتشدق بها المؤسسات الكنسية، إلا أن طابع الخصومة والحقد الدفين بقي هو العلامة المميزة والطابع الدائم لهذه العلاقة.

فبابا الفاتيكان الحالي بنديكتوس السادس عشر لم يخف ذلك عندما هاجم الإسلام واصفا اياه بالهمجية وهاجم نبي الرحمة عليه السلام في محاضرة له في جامعة ألمانية، كما أنه غمز ولمز في الإسلام في اجتماعه الأخير بأساقفة الشرق الأوسط بقوله "على ما يبدو ترتكب أعمال العنف باسم الله، لكنها في الواقع ديانات زائفة يجب كشفها"، وما أسماه بـ"سلطة الأيديولوجية الإرهابية"، كما أن فكرة حرق القرآن خرجت من رحم كنائس الغرب بالرغم من معارضتهم الظاهرية للفعل، وكثيرة هي الحوادث التي تعكس مدى ما تخفيه المؤسسات الكنسية الغربية من حقد وبغضاء تجاه المسلمين.

لقد نص المبدأ الرأسمالي على فصل الدين عن الدولة، وجعل في أبجدياته "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وبالرغم من خطأ هذا الأساس الذي قام عليه المبدأ الرأسمالي بجملته وتفصيلاته، إلا اننا نلاحظ استثمار الرأسماليين للدين النصراني دوماً في أية أحداث سياسية يكون طرفها الآخر هم المسلمون، وتبرز للعيان وكأن العلاقة أو الصراع قائم بين النصرانية والإسلام في هذه الحوادث، والحقيقة أنها بين الرأسمالية مسخِرة للنصرانية وحقد مؤسساتها على الإسلام من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى.

وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على حرص الرأسماليين على إذكاء جذوة الحقد الدفين الذي غرسته المؤسسات الكنسية الغربية ضد الإسلام وأهله.

لذا لم يكن غريباً أن يحشد الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش الأمريكيين والغرب خلف حربه على أفغانستان تحت مسمى الحرب الصليبية، ولم يكن غريباً أن يتم الكشف عن الكتب التبشيرية التي يروج لها الجيش الأمريكي في أفغانستان.

إن الحكومات الغربية لا تقيم وزناً لصالح الدين النصراني كما تتوهم الشعوب الغربية بل هي لا تعترف بالقيم الروحية أصلاً وان غضّت الطرف عنها، وإنما تهتم بمصالحها السياسية الاستعمارية، وما حرص الحكومات على نشر النصرانية سوى لاستغلالها كأداة لخدمة مخططاتها السياسية لا سيما تلك التي تستهدف العالم الإسلامي. والأمثلة على ذلك لازالت شاخصة في جنوب السودان وفي لبنان وفي نيجيريا.

لقد كانت المؤسسة الكنسية الغربية طوال العصور الغابرة أداة تُسخر لصالح السياسيين على اختلاف مسمياتهم، فكانت في العصور الوسطى أداة للإقطاعيين تشرع إجرامهم بحق الناس حتى عدّها البعض مكوناً من مكونات النظام الإقطاعي، واليوم تلعب الكنيسة نفس الدور لصالح الرأسماليين والسياسيين الفاسدين في كافة الدول الغربية وتروج لمشاريعهم الاستعمارية.

وها هو بابا الفاتيكان في سينودس الشرق الأوسط للأساقفة الكاثوليك المنعقد في الفاتيكان يشرع الوجود اليهودي على أرض فلسطين المغتصبة ويروج للمشروع الأمريكي مشروع حل الدولتين، ويقر بسيطرة يهود على القدس، وان دعا لتدويلها، خلافاً للعهدة العمرية، التي عاش النصارى في كنفها بحرية وتم استبعاد يهود منها بناء على طلبهم ذلك من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

لقد عاش النصارى في كنف الخلافة الإسلامية على اختلاف عصورها عيشة كريمة، حفظت فيها الخلافة لهم حقوقهم الرعوية فكان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وتركتهم وما يعتقدون وما يعبدون دون أية مضايقة، بل إن الرسول عليه السلام قد جعل أذيتهم جرماً وحرم أن تخفر ذمتهم، وأوجب الدفاع عنهم وأمر بحسن معاملتهم "ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة"، وبالرغم من أن الإسلام يدعو النصارى واليهود لاعتناق الإسلام باعتباره ناسخاً للأديان السابقة إلا أنه لا يجبر أحداً على اعتناقه بل يدعوهم لذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد شهد التاريخ دخول العديد من أهل الكتاب في الإسلام دون إكراه أو إجبار حتى إن الذين بقوا على دينهم قاتلوا الصليبيين جنباً إلى جنب المسلمين إدراكاً منهم لتسخير حكام أوروبا للكنيسة لصالح أطماعهم الاستعمارية وحفاظاً منهم على المجتمع الإسلامي الذي عاشوا فيه بكرامة واحترام. 

إن الأجدر في نصارى الشرق ولا سيما نصارى فلسطين أن يرفضوا تسييسهم من خلال المؤسسات الكنسية وعلى رأسها الفاتيكان التي دأبت على خدمة المشاريع الاستعمارية للقوى الدولية، وأن يرفضوا أن يكونوا أداة بيد هؤلاء الرأسماليين المستعمرين، وأن يرفضوا زجهم في متاهات الصراعات الاستعمارية، وأن يناصروا سعي المسلمين لإقامة الخلافة التي تعيد تطبيق العهدة العمرية فيعيشوا في كنفها برغد واطمئنان.

مناهج التعليم تنبت من سحت المانحين!

لم يخطئ المثل القائل "التعليم في الصغر كالنقش في الحجر"، ونال المثل "من شبّ على شيء شاب عليه" جانباً كبيراً من الصحة، ولم يغال الناس باهتمامهم بتعليم أبنائهم منذ نعومة أظافرهم شتى أنواع العلوم والمعرفة.

لذلك سعت المجتمعات البشرية منذ قدمها لابتكار أماكن التدريس والكتاتيب المختصة التي تعلم الناس القراءة والكتابة وشتى العلوم، والتي تطورت لتعرف بالمدارس ومن ثم ابتُكرت المعاهد والجامعات.

وكان الاهتمام البالغ لدى المسلمين على مر العصور في تعليم الأطفال ينصب على تنشئتهم بحسب ثقافة الأمة، وتكوين عقليتهم ونفسيتهم بحسب هذه الثقافة لتخرّج تلك المدارس شخصيات إسلامية متميزة، ترى العالم من منظور محدد وتقيس الأمور والحوادث بمقياس محدد بالغ الدقة. ولم تُهمل العلوم الطبيعية في عصر من عصور المسلمين، ويكفي الإشارة إلى ريادة المسلمين في كافة المجالات العلمية للدلالة على براعتهم في هذه المجالات.

ولقد أدرك الكافر المستعمر، من خلال تاريخ طويل من التجارب، ضعفه في معاركه الفكرية مع المسلمين طالما أنهم متمسكون بشريعتهم وبأحكام وافكار دينهم، وطالما أنهم ينهلون من هذا المعين الصافي دون شوائب، لذا عمد إلى الغزو الثقافي والتبشيري لبلاد المسلمين مما هو معلوم ولا يحتاج لتكرار سرد، وها هو الكافر المستعمر اليوم يسير على نفس الخطى وها هو يعمد إلى تحريف وتغيير مناهج التعليم في بلاد المسلمين كأداة وركيزة هامة في حربه الفكرية والحضارية ضد المسلمين.

إن العلاقة التي تربط المسلمين بدول الغرب –بعيداً عن البهرجات الإعلامية والعلاقات العامة والدعاية- هي علاقة صراع حضاري مبدئي يسعى من خلالها الغرب إلى تكريس هيمنته على بلاد المسلمين، وزرع مفاهيمه الخاطئة عن الحياة في عقول وقلوب المسلمين ليبقي قبضته على بلادهم، ينهب ثرواتهم ويستعبد شعوبهم. ولم يجد الغرب من وسيلة أسهل للنفاذ إلى عقول المسلمين من اختراق مناهج تعليمهم في ظل أنظمة سياسية تدين له بالطاعة والولاء.

وحوادث تدخل القوى الغربية الاستعمارية في صياغة مناهج التعليم -لا سيما ما يتصل منها بالثقافة والتاريخ- في مصر والمغرب العربي والحجاز وغيرها مما لم ينشر ويظهر للإعلام خير شاهد على ما أقول.

ما دفعني للكتابة ولهذه المقدمة ولتناول موضوع ربما يراه البعض قديماً بالرغم من حداثة كثير من فصوله المتغيرة لا سيما في فلسطين، هو ما تناقلته وسائل الإعلام حول عزم السلطة من خلال وزارة التربية والتعليم تدريس كتاب تاريخ يعرض وجهتي النظر للطرفين المتصارعين في فلسطين بعنوان "تعلم رواية الآخر" وهو كتاب من إعداد أستاذ فلسطيني وآخر يهودي بدعم سويدي.

وبالرغم من نفي بعض المسؤولين من وزارة التربية ولجنة المناهج عزم الوزارة على تدريس الكتاب المذكور لطلاب المدارس، لكن المشروع لا زال قائماً والكتاب قد تم اعداده وهناك أخبار ترد عن عزم السويد (الدولة الممولة للمشروع) عقد ورش عمل بهذا الخصوص بين أساتذة وطلاب فلسطينيين و"إسرائيليين".

كما كشفت وسائل الإعلام أثناء كتابتي لهذا المقال عن اتفاقية مشابهة موقعة بين بلدية كونج لاف ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية محتواها (برامج تعليمية من فلسفة برايم) الرئيسية من 2010-2012 وتضم 10 طلاب ذكور واناث من عمر 16-18 سنة ومعلمين لكل مجموعة وفي نهاية الفترة المحددة سيتم تقييم المشروع، ومناقشة امكانية جعل الاتفاقية دائمة وسيكون لمؤسسة برايم دور كمساهمين في المشروع.

وهدف هذا المشروع (حسب ما ورد في الاتفاقية) أهمية التنافس في السرد التاريخي، في الوقت نفسه سيكون من واجبهم التعريف بأسس التفاهم المتبادل.

ما يلفت النظر في هذه الحوادث التي فضحت إعلامياً مما استدعى النفي الرسمي لبعضها في بعض تفصيلاتها، هو وقوف الدول المانحة وراء مشاريع تتصل بإعداد المناهج، وكيف تسمح السلطة وأي نظام في أي بلد كان –لو توفرت له الإرادة والسيادة- أن تتدخل قوى أجنبية صديقة كانت أم عدوة –وفق ما يحب من التصنيفات- في مناهج تعليم أبنائه أو حتى مشاريع خاصة تتصل بها؟! وسواء أكان الحديث عن هذا الكتاب أم عن هذه الاتفاقية أم عن غيرهما، كيف تسمح السلطة وتسوغ لنفسها ان تتلقى الدعم والتمويل المالي من الدول المانحة لتعدّ لأبنائنا منهاجاً من سحت المانحين؟! أليس من يملك المال يملك القرار؟! أليس الممول هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في المشروع الذي موّله؟! ألا يسمى ذلك تمكين للدول الغربية والمسماة بالمانحة من عقول أبنائنا فلذات أكبادنا؟! وهل من لديه أدنى المعارف السياسية يمكن أن يظن أن في سياسات الدول الغربية شيئاً لوجه الله؟!

وامام هذه الحوادث التي أعتبرها جريمة بحق التعليم وبحق فلذات أكبادنا أود في هذه العجالة التأكيد على الأمور التالية علها أن تلامس عقل رشيد فيوقف هذا العبث اللامسؤول بحق أبنائنا:

1. إن الأصل في مناهج التعليم أن تستقي المعلومات مبنية على عقيدة الأمة، فتكون العقيدة هي مقياس الصواب والخطأ في أية معلومة يتلقاها الطالب، وإن تدريس أية معلومة لم تستند إلى عقيدة الأمة هو تخريب لعقلية أبنائنا وسعي لغرس المفاهيم الغربية الغريبة عنا في عقولهم.

2. إن التذرع بتدريس الرأي الآخر لنقضه ودحضه هو حجة واهية إن كان الأمر يتعلق بطلاب مرحلة أساسية أو ثانوية لم تكتمل بناء العقلية السليمة المستندة لعقيدة الأمة لديهم، فهم غير قادرين على تمييز الغث من السمين، مما يجعلهم عرضة للتشويش الفكري ويزعزع ثقتهم بما يحملون من أفكار، هذا على فرض أداء المناهج التعليمية لمهمة بناء العقلية بناءً سليماً، وعلى فرض أن تدريس الرؤية "الإسرائيلية" لقضية فلسطين إنما هو لنقضها، والحقيقة أنها لا تسرد للنقض بل للعرض "بحيادية!".

3. إن المشاريع الغربية في المنطقة، لا سيما تلك المتصلة بمناهج التعليم لا يمكن فصلها أو انتزاعها من سياق الحرب الحضارية التي يشنها الغرب الرأسمالي على بلاد المسلمين، وكل تحريف لسياق هذه الحملة ومحاولة تلبيسها بحجج وذرائع واهية هو تضليل وتزييف للحقائق ومخالفة لقطعي النص القرآني الذي أخبرنا عن أهداف مشاريعهم وإنفاقهم لأموالهم على المسلمين (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).

4. إن سياسة منع التحريض في مناهج التعليم الذي تطالب به كل من الولايات المتحدة ودولة يهود ترمي إلى نزع المسلمين من ثقافتهم وتركهم لتاريخ العلاقة بيننا وبين يهود وتحريف الحقائق القرآنية الثابتة بحق يهود ووجوب مقاتلهم باعتبارهم مغتصبين لأرض الإسراء والمعراج، والرضى بهذه السياسة والسير بها هو طعن للمسلمين من الخلف واصطفاف بجانب أعداء الامة.

5. إن هذه المشاريع المشبوهة هي حلقة من حلقات التطبيع الفعلي لا سيما في أوساط شريحة هامة وهم شريحة الطلاب.

6. إن أهل فلسطين وعموم المسلمين هم أصحاب الحق في هذه الأرض المباركة، وفلسطين كاملة غير منقوصة او مجتزأة هي أرض خراجية رقبتها ملك للأمة الإسلامية، وكيان يهود هو كيان محتل غاصب لهذه الأرض لا يصح الاعتراف بشرعيته ولا مفاوضته، ويجب على الأمة عامة وعلى أهل القوة والمنعة فيها على وجه الخصوص التحرك عاجلاً لاقتلاع هذا الكيان السرطاني واستئصاله والقضاء عليه قضاءً مبرماً، وتطهير أرض فلسطين المباركة مسرى النبي محمد عليه السلام من رجس يهود.

هذه هي الحقيقة الثابتة المبنية على عقيدة الأمة وشريعتها التي يجب أن تدرس لأبنائنا، وكل قول خلافها يرد، وكل سعي لزرع مفاهيم "التعايش" والرضى بالمحتل هو جريمة يجب وقفها.

خيارات الحرب والسلام، القضية الفلسطينية نموذجاً

منذ 18 عاماً والمنطقة مشغولة بمسلسل مفاوضات آخذ بعضها برقاب بعض، ومنذ عقود اتخذ الحكام العرب قراراً باتخاذ خيار السلام خياراً استراتيجياً لهم ورموا وراء ظهورهم خيار الحرب إلى غير رجعة، وبين هذا وذاك برزت خيارات المقاومة والمقاومة الشعبية والممانعة، فمتى تتخذ الأمم والشعوب خيار الحرب أو خيار السلام؟ ثم ما هو الخيار الإستراتيجي وكيف للأمم أو الشعوب أن تحدد لنفسها هذه الخيارات؟

أسئلة تستدعي الوقوف عليها لا سيما إذا أخذنا القضية الفلسطينية نموذجاً بما يكتنفها في وقتنا الراهن من فوضى في اتخاذ القرارات وتسليم مطلق للمشاريع الغربية جراء تمسك السلطة الفلسطينية والحكام العرب بخيار السلام.

في أعراف الدول والأمم والشعوب توجد مصالح حيوية وأخرى ثانوية، وجراء تحديد تلك المصالح إما وفق مبدأ الأمة إن كانت الأمة صاحبة مبدأ وإما وفق متطلبات عيشها ومستلزماته كدولة وشعب عيشاً كريماً في حال فقدانها لمبدأ موجه لها في الحياة، تتخذ الأمم والشعوب والدول من المصالح الحيوية قضايا مصيرية لها أو ما يسمى بلغة إعلام اليوم بالخطوط الحمراء التي تتخذ الشعوب اتجاهها إجراء الحياة أو الموت.

لذا فالخيار الإستراتيجي لأية أمة أو شعب هو قضية مصيرية تقدم في سبيله الأمة أو الشعب الغالي والنفيس والأرواح والأموال في سبيل تحققه بل إن قضايا الأمم الحية والمبدئية يمكن أن تفنى الأمة في سبيل تحقيقها. لذا فخيار الأمة الإستراتيجي غير قابل للتفاوض أو المساومة وإلا لم يكن استراتيجياً أو مصيرياً ولا تتخذ الأمم الحية تجاهه سوى خيار الحرب، وفي حالة ضعفها وهزيمتها يُفرض عليها خيار السلام ولا تلجأ إليه اختياراً، إذ في حالة الهزيمة تصبح الأمة أو الدولة غير قادرة على أن تتخذ وتحدد لنفسها خيارات إستراتيجية فهي لم تعد تملك من أمرها شيئاً.

وبالعودة إلى القضية الفلسطينية وخيارات الحرب والسلام، فمن أدرك جوهر هذه القضية ولم يتأثر بعوامل التضليل والتغشية والمغالطات الدائمة والمستمرة في الحقائق يدرك أن قضية فلسطين لا تفهم إلا على صعيد واحد، وهو أن فلسطين أرض محتلة قد غشيها عدو غاصب وأعانته على ذلك قوى غربية استعمارية وتآمر معه حكام عبيد. والحال كذلك فلا خيار يتخذ بحق هذه القضية وتجاهها سوى خيار الحرب لا غير. وكل خيار آخر هو تفريط بهذه الأرض المحتلة ورضا بإلقامها أو إلقام جزء منها لذاك العدو الغاصب ولا أظن أحداً من البشر يخالف في هذه الحقيقة.

فإذا كان احتلال الأرض واعتداء العدو على أمة أو شعب ما لا يستأهل ولا يستلزم خيار الحرب فهذا يعني إسقاط هذا الخيار من خيارات وقاموس البشر، إذ لا واقع يستلزم اتخاذ خيار الحرب أكثر من هذه الحالة. والواقع أن الدول تتخذ خيار الحرب في شؤون أقل من ذلك بكثير، فأمريكا قد اتخذت محاربة الإرهاب أو الإسلام خياراً استراتيجياً لها فشنت حرب أفغانستان والعراق وقدمت العديد من الجنود الأمريكان قرباناً لتحقيق مصالحها واستيلائها على منابع النفط وطرق الغاز، وكذا فعلت روسيا والدول الأوروبية في الحرب العالمية الأولى والثانية، وفعلت أمريكا كذلك في تورطها في الحرب الكورية وفيتنام جرياً وراء مصالحها مما كبدها العديد من الخسائر البشرية والمادية.

ومن الجدير ذكره أن إعلان السلام كخيار استراتيجي لا رجعة عنه في ظل تفاقم "الصراع" على قضية ما وهي في هذا المقام قضية فلسطين يعد استسلاماً واضحاً للعدو، فلا معنى لإعلانك السلام خياراً مع عدو يشن عليك هجوماً كاسحاً في ميادين شتى سوى أنك تستسلم له استسلاماً مطلقاً بل مهيناً ذليلاً.

ولقد اتخذ الحكام العرب خيار السلام خياراً استراتيجياً لهم عام 1996 في قمتهم التي التأمت في القاهرة، وكرسوا هذا الخيار الاستسلامي وتوجوه بما بات يعرف بالمبادرة العربية للسلام والتي أقرها الحكام العرب في قمتهم ببيروت في عام 2002، وهي في حقيقتها ليست سوى مبادرة أمريكية كتبها الأمريكي توماس فريدمان وتبناها وسوقها ملك السعودية الراهن عبد الله، مما يعطي انطباعاً واضحاً أن اتخاذ خيار السلام خياراً استراتيجياً لم يكن بقرار عربي سيادي بل بإملاءات أمريكية واضحة.

وفي ظل غياب اتخاذ الخيار المناسب في قضية فلسطين ظهرت خيارات المقاومة أو المقاومة السلمية، وبعيداً عن الخوض في تفصيلات هذه الخيارات الشائكة وملابساتها المعقدة إلا أنه لا يسعني القول في هذه الخيارات إلا أنها خيارات حركات أو أفراد لا ترقى لأن تكون خيار أمة أو شعب.

أما ما تسمى بالممانعة التي اتصفت بها بعض الدول فهي أكذوبة انتحلتها دول اقتضى دورها السياسي اتصافها بها، وإلا فهي في عدم اتخاذ خيار الحرب مع ما تسمى بدول الموالاة سواء بل إنها لا تخالف بقية الدول في إقرارها أن السلام خيار استراتيجي وهي تلهث وراء السلام المزعوم كبقية الأنظمة دون تفريق سوى في القشور.

من ذلك كله يتضح لنا أن لا خيار للدول والشعوب والأمم الحية تجاه قضاياها المصيرية سوى خيار الحرب لا غير، وأن اتخاذ خيار السلام يعد تنازلاً وتفريطاً بقضايا الأمة ومصالحها الحيوية، وهذا ينطبق على جميع الشعوب والأمم ولقد مارسته الدول على اختلاف هوياتها ممارسة عملية على مر العصور.

ولقد ضرب قادة الأمة الإسلامية عبر الخلافة على مدى ألف وأربعمائة عام أروع الأمثلة وأوضحها وأثبتها تمسكاً بقضايا الأمة ومصالحها الحيوية، منذ عهد الراشدين إلى أن هدمت الخلافة، فذاك الصديق أبو بكر في حرب الردة، وذاك الفاروق وذاك هارون الرشيد والمعتصم وصلاح الدين والظاهر بيبرس وقطز وطارق بن زياد ومحمد الفاتح وعبد الحميد، فقد كانوا جميعاً مصابيح دجى وعلامات بها الحكام والبشر يهتدون.

لكن خلف من بعد هؤلاء خلف أضاعوا قضايا الأمة وفرطوا بمقدساتها وضربوا للعالم أسوأ مثال في التفريط والخيانة والتآمر على قضايا أمتهم ومقدساتها وحقوقها، فكانوا أسوأ خلف لخير سلف ولسوف يلقون غياً.

إن على الأمة الإسلامية اليوم أن تتخذ إجراء الحياة أو الموت تجاه قضاياها المصيرية، وأن تتحرك لنصرة فلسطين فتتحرك عاجلاً دون أن تسمح لأي عائق مهما كان أن يقف في وجه تحركها فتقتلع أنظمة الضرار وتنصب عليها خليفة يقودها إلى ساحات الوغى ليعيد الحق إلى نصابه فتستعيد الأمة كرامتها المسلوبة وعزها المفقود وتضحي في سبيل قضاياها، فتحرر فلسطين وتطهر المسجد الأقصى من رجس يهود وتحرر كل شبر محتل من بلاد المسلمين وتحمل الإسلام وتتخذ من نشره للعالم رسالة هداية خياراً استراتيجياً لها، وليكن شعارها في ذلك كله قول الرسول الأكرم (فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظهره الله أو تنفرد هذه السالفة).

بريجنسكي وأوهام السلام!

لازالت قضية الشرق الأوسط تشغل حيزاً كبيراً لدى الساسة والمفكرين وراسمي السياسة الأمريكية، لما تمثله هذه القضية من محور هام من محاور الصراع الحضاري القائم بين المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة -في الوقت الراهن- وبين القوى الغربية الرأسمالية الاستعمارية.

ففي مقال له نشرته صحيفة واشنطن بوست ونشرته وكالات عدة قال زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إنه لتحقيق السلام في الشرق الأوسط لا بد للرئيس الأميركي باراك أوباما من القيام بزيارة تاريخية جريئة للمنطقة مصطحبا معه القادة العرب إلى الكنيست في القدس والمجلس التشريعي في رام الله.

وأوضح أن استمرار احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية الفلسطينية واستمرار محاصرتها وعزلها لقطاع غزة الفلسطيني من شأنه أن يزيد من غضب المسلمين وامتعاضهم إزاء السياسات الخارجية الأميركية، وبالتالي وضع العراقيل أمام إمكانية إدارة أوباما لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية في المنطقة.

واعتبر بريجنسكي "السلام" مهما "لإسرائيل" نفسها حيث صرح وزير دفاعها إيهود باراك قبل فترة بأن غياب حل الدولتين من شأنه تشكيل التهديد الأكبر لمستقبل "إسرائيل" واعتبره أعظم من التهديد الذي قد تشكله قنبلة نووية إيرانية.

وأما بشأن المحاور الأساسية لأي مبادرة سلام أميركية مقترحة في المنطقة، فيرى بريجنسكي في مقاله المشترك مع عضو الكونغرس الأمريكي السابق عن ولاية نيويورك ستيفن سولارز، أنها باتت معروفة للجميع وأنها تتمثل في إيجاد حل لقضية اللاجئين من خلال التعويض أو إعادة التوطين في أراضي الدولة الفلسطينية وليس في "إسرائيل"، مضيفين أن هذه الوصفة قد تكون مرة بالنسبة للفلسطينيين ولكنهما لا يتوقعان من "إسرائيل" أن تقدم على الانتحار من أجل "السلام".

وأما المحور الثاني في المبادرة بحسب الكاتبين فيتمثل في التشارك بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" في القدس بوصفها عاصمة لكل من الدولتين مع بعض الترتيبات الدولية بشأن مدينة القدس القديمة، وذلك أيضا يشكل جرعة مرة بالنسبة "للإسرائيليين" لأنه يعني أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين.

كما يجري الاتفاق بشأن المستوطنات الكبرى الواقعة في حدود 1967 بحيث يتم دمجها ضمن الدولة "الإسرائيلية" عبر اتفاق لتبادل الأراضي.

ويتم نشر قوات أميركية أو قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) على طول نهر الأردن في الدولة الفلسطينية من أجل توفير الحماية الأمنية القصوى لدولة "إسرائيل".

ويمضي الكاتبان إلى القول إن أوباما إذا قام باصطحاب القادة العرب وأعضاء اللجنة الرباعية إلى القدس ورام الله فإنه سيحقق نصرا سياسيا ويضرب مثلا على حسن وقوة القيادة التي استطاعت وضع حد للصراع الطويل في المنطقة.



وإذا ما رفض أحد الطرفين أو كليهما مبادرة السلام الأميركية فيرى بريجينسكي وسولارز ضرورة قيام الولايات المتحدة باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي من أجل توفير ضغط دولي أوسع لإجبار الطرفين على قبول المبادرة وتطبيق بنودها بكل الوسائل الممكنة.

ونحن إذ نقف ملياً على مقال بريجنسكي بوصفه أحد موجهي وراسمي السياسة الأمريكية نتناول الموضوع من زوايا عدة:

أولاً: إن أمريكا تتعامل مع ما بات يعرف بقضية الشرق الأوسط باعتبارها عقدة وعقبة أمام مخططاتها السياسية والعسكرية في المنطقة، لا باعتبارها قضية شعب مسكين تكالبت عليه القوى الكبرى وسلبته أرضه وألقمتها ليهود، كما يحاول بعض الحكام أو بعض وسائل الإعلام من تصوير المساعي الأمريكية الحثيثة الرامية لإيجاد حل لهذه القضية. وقد تكرر التعبير عن هذا التوجه للإدارات الأمريكية المتلاحقة ولم يكن آخرها تصريحات الجنرال ديفيد بترايوس في شهادة له أمام مجلس الشيوخ الأمريكي.

ثانياً: إن المساعي الأمريكية تقوم على ركيزة لم تعد سراً أو خافية على أحد، وهي حفظ أمن كيان يهود، وهذا ما عبر عنه بريجنسكي بالقول إن غياب حل الدولتين يشكل تهديداً "لإسرائيل" أكثر من تهديد القنبلة النووية الإيرانية، وهو ما دفع بريجنسكي كذلك للاقتراح بأن ترابط على حدود الدولة الفلسطينية "العتيدة" قوات أمريكية أو من حلف الناتو لتضمن أمن وسلامة "إسرائيل".

ثالثاً: تخشى الإدارة الأمريكية من دوام استمرار الصراع في المنطقة لما تمثله قضية فلسطين من فتيل مستمر لإشعال حروب في المنطقة تخشى أمريكا أن تأخذ طابعاً دينياً فتتحرك الأمة الإسلامية كأمة وتقف موحدة في وجه السياسات والمخططات الأمريكية مما ينذر بفشل أمريكا وبداية انحسار نفوذها لا في المنطقة فحسب بل في العالم وبداية تقهقرها وعودتها إلى عزلتها.

رابعاً: لا يمثل الحكام العرب في نظر راسمي السياسة الأمريكية سوى كورس ممثلين لا يملكون من أمرهم من قطمير، لذا يلاحظ على اقتراح بريجنسكي على أوباما أن يصطحب الحكام العرب في زيارة له للكنيست كما يصطحب السلطان حاشيته، من غير أن يذكر أن هذا الأمر يمكن أن يلاقي رفضاً من الحكام أو اعتراضاً أو حتى مجرد امتعاض، فهؤلاء وفق النظرة الأمريكية لا قرار ولا شان لهم فهم مجرد تبع لأمريكا.

خامساً: أما عن حيثيات المبادرة الأمريكية التي يقترحها بريجنسكي على أوباما فهي كما يقول بريجنسكي باتت معروفة، والتي يمثل حل قضية اللاجئين بالتعويض أو إعادة جزء منهم إلى داخل الدولة الفلسطينية "العتيدة" أبرز ما فيها، وهي سياسة أمريكية عبر عنها رئيس وزراء السلطة سلام فياض في تصريحات سابقة لصحيفة "إسرائيلية"، كما يدعو بريجنسكي إلى اقتسام القدس مع ما يرى فيه من المرارة ليهود ولكن ذلك يمثل بلسماً لمرض عضال، ويدعو إلى تسوية موضوع المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية عبر تبادل الأراضي بين "إسرائيل" والدولة الفلسطينية "العتيدة"، وهذه المقترحات لا تخرج عما هو متبع في السياسة الأمريكية الراهنة والتي تصطدم بحائط مهول يتمثل في رفض اليهود لها وفي عدم شرعية وبالتالي عدم امتداد جذور السلطة لتمثل المسلمين الذين يرتبطون بفلسطين وبالقدس على وجه الخصوص ارتباطاً عقائدياً.

سادساً: في أي مبادرة أو مخطط أمريكي للمنطقة، وعن معنى الدولة الفلسطينية التي ينص عليها حل الدولتين، لا ترى الإدارات الأمريكية وراسمي سياساتها في الدولة الفلسطينية سوى كيان هزيل يقوم بدور وظيفي يتمثل في حماية أمن الاحتلال، ولا يملك ذلك الكيان سيادة حقيقية ولعل اقتراح بريجنسكي بأن تقوم قوات أمريكية أو من حلف الناتو بالمرابطة على حدود الدولة الفلسطينية "العتيدة" لحفظ الحماية الأمنية القصوى "لإسرائيل" يعطي انطباعاً واضحاً عن الدولة التي يتحدث عنها الأمريكان.

سابعاً: لا يغيب عن الساسة الأمريكان أن "إسرائيل" بعقلية اليهود والطبقة السياسية الحاكمة فيها تمثل عقبة أمام المخططات الأمريكية، لكنهم يرون فيها كالطفل المدلل الذي لا يدرك حقيقة مصلحته فيسير وراء رغباته دون أن يحكم العقل والمنطق، يقول بريجنسكي " إن المعادلة الإسرائيلية غير عقلانية وغير منطقية، ذلك لأن السلام الشامل هو أمر حيوي ويعد من صالح جميع الأطراف، الإسرائيليين والفلسطينيين والأميركيين على حد سواء." وهذا التفكير هو الذي يفقد الإدارات الأمريكية المتلاحقة لأداة الضغط الحقيقية لتنفيذ مخططاتها في المنطقة وهو الذي دعا بريجنسكي ليقترح كحال سابقيه أنه في حال رفض أحد الأطراف –وهم اليهود- لهذه المقترحات فعلى الإدارة الأمريكية اللجوء لمجلس الأمن لإلزامه بالأمر، أي أن هذا الاقتراح يعيد القضية إلى حيث بدأت ويفقد المخطط الأمريكي أية ورقة ضغط حقيقية لتنفيذه.

ثامناً: في تجريد مخل لا يذكر بريجنسكي أو يتعمد إغفال استحالة تحقق السلام المزعوم إذ أنه يغفل الارتباط العقائدي الذي يربط المسلمين جميعاً في كافة أقطار المعمورة بأرض فلسطين بقدسها وبحيفا ويافا وتل الربيع وكل شبر محتل منها، وأن تحقيق السلام ليس قضية صراع بين بريطانيا والأرجنتين على جزر الفوكلاند بل هي قضية صراع مبادئ وصراع عقائدي مستحكم ومستفحل بل قضية صراع حق وباطل لا تلاقي أو توسط بينهما، مما ينبأ باستحالة تحقيق "السلام!" الذي تنشده أمريكا.

إن فلسطين واحتلال بيت المقدس كانا عبر التاريخ عاملاً محفزاً للأمة لتلم شعثها وتوحد كلمتها وتعقد عزيمتها فتأخذ زمام أمرها، فتحررها وتعود إلى طليعة الأمم، وهذا الذي يخشاها بريجنسكي والساسة الأمريكان من دوام اشتعال فتيل هذه القضية مما دعاهم للتفكير ملياً لمحاولة إطفاء هذه الجذوة بأي وسيلة كانت.

فهل أدرك أهل فلسطين ما يمثلونه في حلبة الصراع الدائر فينفضوا عن كل المشاريع الغربية ويرفضوا كل المخططات الأمريكية التي ترمي لإحكام السيطرة على الأمة الإسلامية كاملة؟

وهل أدركت الأمة الإسلامية مدى ما تمثله من هاجس يؤرق القوى الغربية الاستعمارية وأدركت أنها إن تحركت تحركاً حقيقياً جاداً للتغيير بأن بمقدورها أن تقلب موازين القوى الدولية لا أن تستعيد حقوقها المسلوبة أو تحرر أرضها وتستعيد كرامتها فحسب بل وتنقذ البشرية من ضنك الرأسمالية الذي تحياه!

السياسة الأمريكية وكابوس الشرق الأوسط

من يتابع تطورات الأوضاع في المنطقة يدرك أن ملف النزاع في الشرق الأوسط بات يشكل كابوساً يقض مضاجع الإدارات الأمريكية المتلاحقة.

فلقد باتت قضية الشرق الأوسط مفتاحاً لفشل المخططات الأمريكية في المنطقة بأسرها، وعاملاً مهماً من عوامل التأثير السلبي على مختلف ملفات وقضايا المنطقة، وهو ما دعا كل من بيكر-هاملتون إلى التوصية بضرورة حل قضية الشرق الأوسط وإحياء دور الولايات المتحدة في تحريك ما يعرف بعملية السلام وضرورة إفاقة الولايات المتحدة من غيبوبتها في هذا الشأن، لما يلحقه ملف الشرق الأوسط من أضرار فادحة بكل من قضايا العراق وأفغانستان. وهو ما دعا الجنرال ديفد بتراوس قائد القيادة الأمريكية الوسطى إلى القول في لجنة استماع لشهادته في مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخراً "أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يقوض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط"، وهو ما دعا بايدن كذلك إلى القول ليهود إن سياستهم تعرض حياة الجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان للخطر.

وبرغم أن قضية فلسطين واحتلالها، وإقامة كيان يهودي على أراضيها المغتصبة، كان من أهم أهدافه هو حرف الصراع عن حقيقته وجادته ليتحول من صراع حضاري بين المسلمين من جهة وبين القوى الغربية الاستعمارية بما فيها قاعدتهم العسكرية المتقدمة "كيان يهود" من جهة أخرى، إلى صراع "إسرائيلي" فلسطيني، ومجرد صراع حدودي، وإلى مجرد قضايا مجتزأة كقضايا اللاجئين والحدود والمياه وغير ذلك، ولكي تكون قضية فلسطين مشغلة للأمة عن قضاياها المصيرية التي خلفت احتلال فلسطين وضياع الأمة الإسلامية وسط الأمم،
برغم ذلك كله إلا أن هذه القضية باتت محركاً رئيسياً للمسلمين ينبههم إلى وحدة قضاياهم ويدعوهم إلى التفكر والتدبر لكيفية الخلاص مما يرزحون تحته من احتلال وتبعية سياسية، فباتت قضية فلسطين عاملاً يذكر الأمة بقضيتها المصيرية وبوجودها كأمة، وتستحثها للعمل الحقيقي للتغيير الشامل والجذري، لا مجرد قضية إقليمية ضيقة أو وطنية محلية.

وهذا الخروج بقضية فلسطين عن السياق الذي حدّته لها القوى الغربية الاستعمارية يدفع تلك القوى وأتباعهم من الحكام الذين يدينون لهم بالطاعة والولاء إلى التخوف الدائم والمستمر من اشتعال فتيل حرب دينية، أي إلى عودة القضية الفلسطينية إلى سالف عهدها قضية تخص الأمة الإسلامية بأسرها ويتحرك لها المسلمون في شتى أصقاع المعمورة، لا أن تبقى هذه القضية ألعوبة وألهية بيد حفنة زعمت تمثيل أهل فلسطين فتاجرت في هذه الأرض المقدسة كما تتاجر في أي سلعة حقيرة.

نعم هذا الذي تخشاه أمريكا ودول الإتحاد الأوروبي وتخشاه الأنظمة الجاثمة على صدر الأمة، وهذا الذي يقلقهم من تصرفات يهود في القدس وفلسطين، لا حرصهم على فلسطين ولا غيرة على مقدساتها.

لكن يهود قد ضربوا بهذه التخوفات عرض الحائط وأصروا على تصرفاتهم وسياساتهم الاستفزازية، فهم من جانب يسعون لاستغلال الضعف السياسي الذي يعتري الإدارة الأمريكية الحالية وانشغالها في الانتخابات النصفية للكونغرس وبقضايا أكثر إلحاحاً كما سبق أن عبر عن ذلك تقرير صادر عن وزارة الخارجية "الإسرائيلية"، فتريد "إسرائيل" أن تفرض تصوراتها كوقائع جارية. وأمريكا تسعى من جانب آخر إلى ضبط الأوضاع وبقاء إمساكها بزمام المبادرة في هذا الملف الحرج ولجم كيان يهود لكي لا يعطل عليها أهدافها ومصالحها في المنطقة بسبب تعنته وعلوه واستكباره، لتتفرغ هي لقضاياها الأكثر أهمية.

لكن أمريكا، ولا سيما في عهد الإدارة الأمريكية الحالية، تتسم بالضعف الشديد الذي يمنعها عن ممارسة أي ضغط يذكر على كيان يهود، يمنعها من ذلك مشاكل هذه الإدارة الداخلية وقوة اللوبي اليهودي هناك وقرب حلول انتخابات الكونغرس النصفية. مما ينبأ أن هذا الكيان المغتصب ماض في علوه واستكباره، وماض في اعتداءاته على أهل فلسطين ومقدساتهم، وماض في سعيه لتغيير الوقائع الجارية.
إن القوى الغربية الاستعمارية تخشى من أن تؤدي تصرفات يهود في القدس وفلسطين إلى تحرك إسلامي يصطدم بحائط الأنظمة العميلة لها فيطيح بها ويقلب الأوضاع على غير ما تشتهيه، وهو ما عبر عنه ديفد بتراوس بقوله "إن الغضب العربي بسبب القضية الفلسطينية يحد من قوة وعمق الشراكات الأميركية مع الحكومات والشعوب في المنطقة ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في العالم العربي".

إن على الأمة إن هي أرادت أن تحرر فلسطين أن تغذي السير لاقتلاع أنظمة الجور التي وطدت أركان كيان يهود في فلسطين وحمته ورعته كما يرعى الأب ابنه، وتمسكت بما يسمى بالمفاوضات والسلام كخيار استراتيجي ووحيد، كما على الحركات العاملة فيها أن تغير مفردات الخطاب الموالي للأنظمة والداعم لها، فبدون اقتلاع هذه الأنظمة والاستبدال بها كياناً يلم شعث الأمة ويوحد كلمتها فيزحف في جيش جرار نحو فلسطين فيحررها من رجس يهود، بدون ذلك ستبقى فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال، فالطريق إلى القدس لمن فقد البوصلة يكون من قاهرة المعز ومن الأردن وسوريا ولبنان بل ومن طهران وإسلام أباد واسطنبول.