إعرف عدوك
مؤسسة "راند" والإستعانة بالحركات الإسلامية "المعتدلة" ....حلقة من حلقات الحرب على الإسلام
منذ أن بزغ فجر الإسلام والصراع بين الحق والباطل قائم لم تخفت ناره ولم تهدأ عواصفه بل إن هذا الصراع كان ككرة الثلج المتدحرجة بلا توقف كلما مرت عليها الأيام والسنون كلما كبرت وتضخمت وهذا لا يخفى على كل بصير ، غير أن أشكال هذا الصراع أخذت تتنوع وتتشكل وأكتست صوراً متعددة ، فظن قصيرو النظر أن حدة الصراع قد ضعفت وأن زماننا زمان "ثقافة الحوار وحوار الحضارات وتكاملها" كما يحلو للبعض أن يسميه ، ولكن هؤلاء قد أخطأوا كبد الحقيقة وجانبوا الصواب بعلم وبينة أو بغفلة وجهل ، فالصراع بين الحق والباطل لا يمكن أن يقف ولو للحظات الى أن يرث الله الأرض ومن عليها فهذه سنة من سنن الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وطوال فترات الصراع اعتمد الكفار على الخديعة والمكر والخداع ، بينما كان صراع المسلمين لهم صراعاً ظاهراً صريحاً لا يفتقر لحجة داحضة أو لأدلة وبراهين قاطعة بل كان صراع المسلمين للكفار وأديانهم ومعتقداتهم الفاسدة دحضاً للباطل وإحقاقاً للحق والعدل والإنصاف ، فالمسلمون–برغم تقلب وتغير أحوالهم- كانوا ولا زالوا على مدى سنوات الصراع يملكون الحقيقة المطلقة للوجود والتي لا يقوى أي مفكر أو فيلسوف أن يقف أمامها ، لذا كان صراع المسلمين واضح المعالم سامي الأهداف والغايات ، بينما عمد الكفار الى التضليل والخداع والمراوغة والوقيعة لما يفقدون من حجة تثبت طرحهم أو دليل يدعم عقائدهم أو برهان يعضد مبدأهم ، فأمتاز صراعهم دائماً بالخبث والدهاء فكان لا بد للمسلمين من دوام سبر أغوار مخططات الكفار وكشفها وفضحها لإبطالها وإفشالها سيما في ظرفنا الراهن الذي فقدنا فيه رأسنا ومدبر أمرنا وحامي بيضتنا خليفتنا وجنتنا .
ولإحكام كيدهم ومخططاتهم وشعوراً منهم بتغير حال المسلمين-الطرف المستهدف- عمد الكفار وسيما أمريكا، الدولة الأولى في العالم وحاملة لواء الحرب الصليبية، عمدوا الى إنشاء مراكز أبحاث متخصصة ذات كوادر وطاقات أكاديمية وسياسية همّها دراسة أحوال المسلمين وتحديد أسباب تقدم الأمة في المستوى الفكري وفي مشروعها النهضوي والعمل على وضع طرق وأساليب لحرب تقدم الأمة والساعين لنهضتها ودراسة جدوى مخططاتهم ومدى ما حققت من نتائج وإعادة دراسة التغذية الراجعة عن كل مخطط لإصدار توصيات باستمرار اعتماده أو بضرورة تعديله أو استبداله .
ومن المراكز المشهورة والتي يطلق عليها مصطلح أوعية التفكير (Thinks Tanks) مؤسسة راند ، مركز نيكسون للأبحاث ، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ،معهد الشرق الأوسط ، مجلس العلاقات الخارجية ، معهد المشروع الأمريكي للأبحاث السياسية ،مركز سابان لدارسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز ، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ، مركز الدراسات الإستراتجية والدولية .
ونحن في هذا المقال أخترنا أن نلقي الضوء على مؤسسة من هذه المؤسسات التي اختصت في الآونة الأخيرة بدراسة أحوال المسلمين بشكل مركز وقدمت عدة توصيات بضرورة أعتماد سياسة ركوب الموجة باستغلال حركات ما يسمى بالاسلام المعتدل واشراكه في اللعبة السياسية والحكم واستخدامه كأداة لضرب التوجهات الإسلامية الحقيقية التي يصفها أصحاب هذه المراكز بالتيارات المتطرفة والإرهابية ، فكانت لنا هذه الوقفة لنلقي الضوء على هذه المؤسسة وعلى توصياتها الأخيرة الخطيرة التي لا بد من ضرورة التنبه لها لمعرفة كيفية التصرف حيالها .
مؤسسة راند (Research And Development)
(تأسست عام 1945 بإشراف القوات الجوية الأميركية، وبمشاركة شركة "دوغلاس للطيران". إلا أن المشروع تحول لاحقا في عام 1948 إلى "منظمة مستقلة غير ربحية" بتمويل من وقف فورد الخيري (Ford Foundation) ويصف البعض هذه المؤسسة بالولد الشرعي للبنتاغون.
كان الهدف من تأسيس المؤسسة في الأصل-كما يذكر بعض المراقبين- هو "إمداد القوات الأميركية بالمعلومات والتحليلات اللازمة" إلا أن هذا الهدف توسع لاحقاً عندما أصبحت المؤسسة شبه مستقلة، ليشمل تعاملها واهتمامها معظم المجالات ذات العلاقات بالسياسات العامة داخل أميركا وخارجها. لمؤسسة راند "مجلس أمناء" يضع خططها المستقبلية، ومن أهم من عمل بهذا المجلس: دونالد رامسفيلد، كوندوليزا رايس، زالماي خليل زادا.
الإمكانيات :
تتوفر لمؤسسة راند إمكانات هائلة تكاد تشبه ميزانية بعض الدول فنفقات “راند” السنوية تبلغ أكثر من 150 مليون دولار، كما يبلغ عدد العاملين فيها 1600 عامل، ما بين إداري وباحث.وتوجد عدة فروع للمؤسسة، بعضها داخل أميركا وبعضها في الخارج. إذ توجد ثلاث مقرات رئيسية في كل من: سانتا مونيكا كاليفورنيا، وواشنطن دي.سي، وبتسبيرغ بنسلفينيا، وكامبردج بالمملكة المتحدة، إضافة إلى فرع افتتح حديثاً في دولة قطر.
الأهداف :
بحسب الأهداف المعلنة لمؤسسة راند عبر موقعها على الانترنت أنها "مؤسسة محايدة غير ربحية، تسعى إلى مساعدة الساسة وصناع القرار في فهم القضايا العامة من خلال البحث الجاد والتحليل العميق" وهذا هو نفس الهدف الذي تعلن عنه معظم مراكز التفكير في العالم ضمن ديباجة التأسيس. لكن أهداف المراكز -في الحقيقة- تتباين تباين أهداف المؤسسين والممولين والمشرفين. وقد خرجت مؤسسة راند في الأصل من تحت عباءة وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" وظلت سمة "العسكرية" تميز ميولها واهتماماتها وأبحاثها حتى اللحظة. ويصف بعض المراقبين "راند" بذات نزعة عسكرية جامحة، لذا كانت تقف مع الحروب الاستباقية التي شنها جورج بوش، إذ ترتبط المؤسسة-بحسب بعض المراقبين- بعلاقات متميزة بشركات تصنيع الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، مما جعلها هدفا للكثير من نظريات المؤامرة حتى داخل أميركا.
ورغم هذا الطابع العسكري العام، فقد قامت مؤسسة راند في الآونة الأخيرة باصدار بعض التقارير السنوية الهامة التي تتناول تغير ملامح الصراع في المنطقة لتشمل الجوانب الفكرية والإجتماعية وضرورة استخدام الحركات الإسلامية "المعتدلة" في أتون هذا الصراع وهذا ما سنأتي على ذكرة لاحقاً .
التأثير على صناعة القرار:
ظلت "راند" شديدة التأثير في صياغة الرأي لدى صناع القرار في أميركا، وخاصة المؤسسة العسكرية ممثلة في البنتاغون. يقول دونالد أبلسون الأستاذ بجامعة ويسترن أونتاريو ومؤلف كتابين عن ظاهرة مراكز التفكير في أميركا: "رغم أن حضور مراكز التفكير أصبح ظاهرة عالمية خلال العقود الماضية، إلا أن المراكز الأميركية بالذات تتميز بقدرتها على التأثير في صنع القرار، كما يتميز الساسة الأميركيون في ثقتهم بتلك المراكز وكثرة رجوعهم إليها". وهذا الوصف قد ينطبق على "راند" أكثر من أي مركز آخر. فالساسة في الولايات المتحدة ينظرون بكثير من الثقة إلى أبحاثها، حتى إن بول بريمر الحاكم الأميركي المدني السابق للعراق يذكر في مذكراته عن غزو العراق أنه عندما وطئت قدماه أرض العراق ودخل مكتبه لأول مرة وبدأ يفكر في طريقة تسييره لشؤون هذا البلد، كان أول ما وُضع بين يديه تقرير استراتيجي أعدته مؤسسة راند عن أفضل السبل لتسيير الوضع في العراق المحتل، وتلك قصة معبرة عن مدى تأثير راند في حياة الشعوب في الشرق الأوسط. ) *( منار الرشواني؛ أحمد فال بن الدين ، http://ar.shvoong.com/law-and-politics) -بتصرف
تقارير توصي باستخدام ورقة الحركات الإسلامية "المعتدلة" في الصراع :
مواكبة منها للحرب المعلنة على الإسلام بإسم الحرب على الإرهاب وبعد فشل العديد من جوانب هذه الحرب وعدم تحقيقها للغاية منها سيما الجانب العسكري كما في العراق وأفغانستان وسعياً منها لتوجيه صناع القرار في الإدارة الأمريكية نحو ضرورة تحويل الصراع وتغيير منحاه أصدرت مؤسسة "راند" تقريرين هامين إحداهما في عام 2004 بعنوان (الإسلام المدنيالديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) والثاني في عام 2007 بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة).
يعالج التقريران المذكوران أعلاه المعضلة التي وقعت فيه أمريكا بداية عهد المحافظين الجدد عندما أعلن بوش سياسته وتصنيفه للعالم بقوله "إما معنا أو ضدنا" وسياسة الحرب الشمولية للحركات الإسلامية ، وقد تبين لصانعي القرار الأمريكي خطأ هذه السياسة وعجز أمريكا عن تحقيق مصالحها ومآربها سيما الاستراتيجية منها بيدها لما تلاقيه من عداء مستحكم لدى شعوب المنطقة ولما لسياستها الإستفزازية من إثارة لحفيظة الشعوب وحتى الحكام الخانعين لها ، لذا أوصت مؤسسة "راند" بضرورة إعادة استخدام ورقة الحركات الإسلامية التي تصنف أمريكيا بأنها معتدلة .
ووضعت "راند" مواصفات للحركة التي تعتبر "معتدلة" كما وضعت تقسيمات للمسلمين لأخذها بعين الإعتبار في رسم السياسة التي تمس الشعوب الإسلامية وطرحت هذه التقارير النموذج التركي –حزب العدالة والتنمية- كنموذج يحتذى به للحركات الإسلامية "المعتدلة".
وبعد أن صنفت المسلمين-في تقرير عام 2004- الى أربع فئات، هي: مسلمينأصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين أوصت هذه المؤسسة بضرورة دعمِ الاسلاميين المعتدلين أو العصرانيين ليقفوا سداً منيعاً ضد "الأصوليين المتطرفيين" ، كما أوصت في تقريرها المسهبِ والمفصلِ الى أساليبَ لحربِ الحركاتِ الإسلاميةِ التي تسعى لإيجادِ الخلافةِ وأرشدت الى ضرورةِ دعمِ التقليديين والعصرانيين لصد موجة التيار الإسلامي "الأصولي"، ومما جاء في تقريرها حول المسلمين "الأصوليين" (يجبُ محاربتُهم واستئصالُهم والقضاءُ عليهم وأفضلُهم هو ميّتُهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسيرِ الدقيقِ للقرآن وانهم يريدون أن يعيدوا الخلافةَ الاسلاميةَ ويجب الحذرُ منهم لأنّهم لا يعارضونَ استخدامَ الوسائلِ الحديثةِ والعلمِ في تحقيقِ أهدافِهم وهم قويوا الحجّةَ و المجادلة.)
بيد أن التوجه الجديد للمؤسسة-في تقرير عام 2007- بسبب عدم تحقيق النتائج المرجوة من التقرير السابق يتجه نحو ضرورة تغيير الفكر والمعتقد للحركات "المعتدلة" حتى في أساسيات مبدئها ودينها ولا يكتفي بمجرد الولاء السياسي ، ولعل ما أقدمت عليه حكومة حزب العدالة والتنمية-وكشفت عنه صحيفة ذا جارديان - من مشروع لإحداث تغييرات في الدين الإسلامي عبر شطب نصوص ثابتة من الأحاديث الشريفة وتغيير أحكام قطعية لتتوافق مع الطرح العلماني باسم التجديد في الدين الإسلامي وملائمة العصر لعل هذه المشروع أحد الأمثلة الحية لهذا التوجه .
خلاصة التقارير التي صدرت في هذا الشأن من مؤسسة راند ومن مؤسسات بحثية أخرى والتي تسعى جاهدة للإستفادة من أساليب مواجهة الشيوعية لتطبقها على حربها على الإسلام والتي تسعى لتجعل-على حد وصفها- من الحركات الإسلامية "المعتدلة" أن تلعب دور الحركة البروستانتية في أوروبا بدعوتها لليبرالية والتحرر ، خلاصة هذه التقارير توصي بنقل صعيد المعركة التي فشلت أمريكا والغرب الى الآن في كسبها من حرب أطرافها المسلمون وأمريكا الى حرب بين "الأصوليون" و "المعتدلون" من أبناء الأمة وستعمل أمريكا والغرب على دعم "المعتدلين" بشتى أساليب الدعم والمعونة ، وترى هذه المراكز هذا النهج هو الذي يمكن أمريكا من تحقيق غايتها في المنطقة دون عناء . وسيراً على نفس النهج بنقل الصراع الى الجبهة الداخلية للمسلمين أوصت هذه التقارير بإشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين كفتنة السنة والشيعة .
أيها المسلمون :إن واقع الأمة اليوم الذي حمل السياسة الأمريكية على وجه الخصوص والغربية بشكل عام على إستخدام ورقة الحركات المصنفة غربياً بأنها معتدلة يحمل بشارة وتحذير، أما البشارة فهي أن أمريكا والغرب قد فشل في حربه الصريحة المعلنة على الإسلام وأهله وأنه برغم كل ما بذلوه من أموال وجهود لم تستطع ان تغيير منحى المسلمين المتجه صعوداً نحو الخلافة وتطبيق الإسلام الخالي من الشوائب الغربية مما ألجأ هؤلاء مرة أخرى الى إعادة تفعيل إستخدام ورقة الحركات الأسلامية "المعتدلة" والموالية سياسياً للغرب ممن بعد ما قرر هؤلاء حرب الإسلام بكافة شرائحه وأطيافه وحركاته حتى "المعتدلة" منها وفي ذلك علامة تقهقر ونكوص . اما التحذير فمن مكمنه يؤتى الحذر فواجب المسلمين اليوم أن لا يقبلوا بين ظرانيهم دعوة للعلمانية بثوب إسلامي أو دعوة لضرورة التحاور والتوافق مع الغرب والمبدأ الرأسمالي ، فواجب المسلمين أن يزنوا هذه الدعوات والحركات التي تتبناها بميزان الإسلام الدقيق لكي لا ينزلقوا في هذه المنزلقات الخطيرة فينشغلوا بحرب بعضهم البعض فكرياً أو مادياً ويتركوا العمل لمشروع الأمة النهضوي (إقامة الخلافة) الذي به يتخلصون به من هيمنة أمريكا والغرب بل به ينقذون البشرية مما تعانيه.
وقفة مع علم من أعلام الدعوة
وقفة مع علم من أعلام الدعوة : أمير حزب التحرير عطاء بن خليل أبو الرشتة
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
لمّا كان لشخصية القائد وحامل الدعوة كبير الأثر في نفوس الناس انقياداً وقبولاً ، ولما كانت الامة لا تعطي إنقيادها إلا لعالم ومخلص وشجاع ، ولمّا غيب ذكر الرجال الرجال عن وسائل الإعلام التي باتت تبرز من تشاء وتغمر من تشاء عبر تسليط أضوائها على الرجال الذين صنعهم الغرب على عينٍ بصيرة ، وحجبها لهذه الأضواء عن قادة الأمة الحقيقيين الذين نبتوا من نبع صاف لم تخالطه شائبة أو دسيسة فحملوا همّ الأمة وقضاياها على عاتقهم لا يبتغون من ذلك جزاءاً ولا شكوراً ولا منصباً أو كرسياً يعتلونه أو سيارة فارهة يركبونها أو فرش وثيرة يتوسدونها ، لما غيب هؤلاء وذكرهم عن الأمة كانت لنا هذه الوقفة وهي وقفة صدق نشهد فيها شهادة حق لا نجامل فيها أحداً ولا نزكي فيها على الله إنساناً بل نبصّر فيها الأمة بقادتها الحقيقيين ونزيل عن أعينها حجاباً ضرب ليحول بينها وبينهم ، فلأنهم أبناؤها ولأنهم حملوا همّها ولأنهم ساروا بحسب مبدئها بعقيدته وأحكامه ، ولأنهم يريدون الأخذ بيدها لطريق النجاة والعزة والرفعة، كانت لنا هذه الوقفة ،
من هؤلاء الرجال الغر الميامين أمير حزب التحرير العالم الأصولي الفقيه المجتهد الشيخ الجليل المهندس عطاء بن خليل أبو الرشتة(أبو ياسين) ، لقد نبت الفقير الى رحمة ربه منذ نعومة أظافره على حمل همّ الأمة والإنشغال بقضاياها فالتحق بركب حزب التحرير ولم يجاوز عمره الرابعة عشرة عاماً فحمل الدعوة طوال سنين عمره في الديار الفلسطينية وفي مصر حيث أكمل دراسته الجامعية فالأردن ودولاً عربية أخرى كالحجاز وغيرها وبقي طوال حمله للدعوة سافراً متحدياً لا يأبه لما يلحق به من أذى أو سجن أو تعذيب أو ملاحقه من جلاوزة الأنظمة القمعية دأبه كدأب من سبقوه من حملة الدعوة الذين نذروا أنفسهم لقضية الامة المصيرية إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة ، كان للشيخ عطاء قوة عقلية جذابة تلفت الأنظار وسمو في النفسية قلما توهب لإنسان ولقد شهد له بذلك العالم المجاهد الشيخ الجليل أحمد الداعور رحمه الله بقوله عنه بأنه "عطاء من الله"، ولقد أثرى جزاه الله عنا وعن المسلمين خيراً المكتبة الإسلامية ببعض الكتب فوضع نموذجاً فريدا في التفسير ونموذجاً في أصول الفقه فكانا معيناً لمن أراد ان ينهل منهما ومثالاً على الفهم القويم لكتاب الله وبياناً لطريقة الإسلام في الإجتهاد ، ولقد تولى الشيخ العالم عطاء بن خليل كافة المناصب القيادية في حزب التحرير حتى أصبح أول ناطق بإسم الحزب في الأردن مما عرضه للسجن مرات ومرات حتى قضى سنين عمره في سجون الظالمين وبالرغم مما لحقه من أذى إلا أن ذلك لم يثنه عن عزمه وإصراره على المضي قدماً في العمل لأقامة الخلافة مع طليعة الأمة وروادها ، لقد جابه عطاء الظالمين والحكام والسياسين الفاسدين وكشف مخططاتهم وتآمرهم على الأمة لصالح الكفار المستعمرين دون أن تلين له قناة أو يهادن أو يستكين ، وبقيت تصريحاته تقرع آذان الظالمين والحكام صباح مساء وعقب كل تصريح له كان يزج به في عياهب السجون لسنوات وهذا حال من حمل همّ الأمة وسعى لتغيير حالها فهو يجابه طغمة ظالمة تسلطت على رقاب الأمة وليس كحال من احتضنتهم الأنظمة ثم الفضائيات ففتحوا لهم الأبواب مشرعة وسخروا لهم منابر ليصلوا منها الى سمع وبصر كل إنسان ، بقي عطاء بن خليل يعتلي سلم العمل الدعوي دافعاً ضريبته الباهظة والمكلفة بما أصابه من أذى وملاحقة وسجن وتعذيب حتى شاء الله أن ترسو عليه إمارة الحزب-وليس غريباً على شخص كعطاء بقوة عقليته وسمو نفسيته أن يصبح أميراً لحزب كحزب التحرير الذي يختار أميره من الصفوة عبر طريقة مميزة تمر في مراحل دقيقة تعتمد على أن يُقدّم التقي النقي ذو القدرة والخبرة والكفاءة والعطاء – فأصبح عطاء أميراً لحزب التحرير في الثالث عشر من أيار لعام 2003 للميلاد وبمجرد استلامه لأمارة الحزب هجر أهله وماله وبنيه وانقطع عن الدنيا ليتفرع لحمل الدعوة ولقيادة الحزب ، وكحال أمراء الحزب من قبله أصبح عطاء ملاحقاً من قبل أجهزة مخابرات الدنيا بأسرها لا لشيء سوى لأنه يقود حزباً سياسياً يسعى بجد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية التي وعدنا بها الرسول الأكرم ، لا لشيء سوى لأن حزبه يعمل في الأمة ومعها لتحمل الإسلام الحقيقي البعيد عن الشوائب والدسائس وليس اسلاماً على الطريقة الغربية ، لا لشيء سوى لأن هذا الحزب يعمل لقلع نفوذ الكافر من بلاد المسلمين قلعاً جذرياً ولا يرضى بالعمالة أو التبعية .
منذ أن تولى الشيخ عطاء إمارة الحزب أدرك ثقل العبء الذي حمله وأدرك بأن الاميرين من قبل قد أتعبوا من خلفهم مما قدموه للدعوة ، فجد في السير وها هو يبذل الجهد الجهد والوسع الوسع ليكون كما نحسبه الآن –ولا نزكي على الله أحداً- خير خلف لخير سلف ، كما أخذ على نفسه أن لا يترك سبباً مشروعاً يستطيعه في العمل لإقامة الخلافة إلا أستعان بالله وفعله ، وهكذا كان فالحزب في عهد الأمير عطاء يسير مكملاً سيره التصاعدي الإرتقائي يسير من علي الى أعلى بإذن الله وها هي الدنيا بأسرها تسمع بالحزب وترتعد منه فرائص الكافرين وها هي الأمة قد جمعت شتاتها على أشد التفاف لم تشهد له من قبل مثيل حول الخلافة ودعوتها حتى أننا أصبحنا نرى الخلافة كأنها ماثلة أمام ناظرنا من دنو قيامها وقرب تحققها ، وكل ذلك بفضل من الله ومنه .
إن خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة لن تعود إلا برجال كأمثال هؤلاء الأعلام الذين يترسمون خطا من أقاموا الخلافة الأولى من الصحب الكرام ، لن تعود الخلافة منقذة المسلمين والبشرية إلا على يد سواعد جدّت في العمل لها وأبصرت دربها وسارت على خطى نبيها دون أن تنغمس في رجس الكافرين أو تنخرط في مشاريع المستعمرين أو تداهن الحكام المتآمرين أو تكون جزءاً من المشهد السياسي الذي يرسمه الكائدون ، فحري بالأمة أن تلتفت لقادتها الحقيقيين الذين خرجوا من أصلابها ونبتوا على عقيدتها لا على الأموال المشبوهة أو التبعية أو العمالة السياسية فتعطي انقيادها لهم وتسير معهم نحو خلاصها ومشروع نهضتها ، حري بخير أمة أخرجت للناس أن تدرك معدن الرجال بميزانها لهم بميزان الحق وأن لا تنخدع بتضليل المضللين فتخدع- كما خدعت من قبل - بقادة لا يوردونها سوى موارد الهلاك والتبعية والخنوع .
نسأله سبحانه أن يأخذ بأيدينا جميعاً تحت قيادة ربانية حكيمة نحو خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة .
تسارع مشروع نهضة الأمة وتقهقر وانحسار مشروع الكفار
بسم الله الرحمن الرحيم
تسارع مشروع نهضة الأمة وتقهقر وانحسار مشروع الكفار
(ِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)
تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة مخاض عسير لميلاد دولة الإسلام التي تمثل نهضة الأمة الإسلامية وعلو شأنها وعودتها لتعتلي الصدارة وتقتعد ذرى المجد ، ويأتي هذا المخاض في ظل معوقات جسيمة وضعت أمامه من قبل الكفار لمنع حصول هذا التغير وحدوث هذه النهضة وقد صاحب هذا المخاض حالة من الدهشة والتخوف بل والرعب من قبل الكفار خشية عودة الخلافة ونجاح مشروع النهضة للأمة الإسلامية وهم الذين كدّوا عقوداً طويلة ليمنعوا الأمة من التقدم في هذا المشروع لا بل ليحجبوا هذا المشروع عن الأمة حتى تبقى الأمة رهينة لهم وحتى يكونوا في مأمن من قوة ودولة المسلمين المنتظرة التي ستسعى –كما سعت من قبل – لتخليص البشرية جمعاء من براثن هؤلاء ولكي تخرج العباد من الضنك الذي يحيوه الى نور وعدل الإسلام ، ولا عجب من تخوف الكفار وسعيهم هذا وهم الذين لا زالت جيوش الخلافة التي إكتسحت أوروبا ماثلة أمام ناظرهم ، وسنابك خيل المسلمين تقرع آذانهم ، في فرنسا واسوار فيينا وفي أوروبا الشرقية جميعها .
إن ما تحياه الأمة اليوم هو معركة حقيقية حامية الوطيس أطرافها الكفار ومن تبعهم ويحملون مشروعاً استعمارياً لإبقاء هيمنتهم على الأمة ،ومشروعهم هذا أخذ أسماءاً متعددة وأشكالاً مختلفة ، أسماءاً كالاستقلال والحرية والديمقراطية والشرق الاوسط الكبير والصغير وغيره وأشكالاً كالاحتلال المباشر وفرض التوصيات الاقتصادية والسياسية على المنطقة ، والطرف الآخر في هذه المعركة هم الساعون للتغيير ومن سار معهم والتف حول دعوتهم، ومشروعهم مشروع نهضة للأمة وإنقاذ للبشرية عبر إقامة الخلافة حاملة وحامية مبدأ الإسلام بفكرته وطريقته ، مشروع حضاري بديل للرأسمالية المتعفنة.
وفي خضم هذه المعركة أستطاع الكفار بمكر خبيث –كجزء من حربهم لمشروع نهضة الأمة- أن يدخلوا اليأس والأحباط لبعض المسلمين عبر التشكيك بإمكانية نجاح هذا المشروع من جديد وإمكانية كسب هذه المعركة وفق المعطيات الحالية ، من تحكم الغرب المطلق بدفة مركب البشرية ، والحقيقة التي لا يمكن لمبصرٍ أن يخطأها أن الأمور تسير على غير ما يهوى الكفار وأن سحرهم قد بَطُل وكيدهم قد فشل وفألهم قد خاب وإن ما تحياه الأمة خير شاهد على ذلك .
ولأجل إلقاء الضوء على تفاصيل هذه المعركة الدائرة ولأجل نزع بذور الشك والريبة من قلوب بعض المسلمين ولأجل أن نبصر الى أين وصل العمل لنهضة الأمة كان لا بد لنا من وقفة نبين فيها مخطط الكفار ومشروعهم وما صنعوا لأجله وماذا قدموا لإنجاحه وما هي إمكانياتهم وقدراتهم وما مصير هذا المخطط ، وأن نبين مشروع الساعين للتغيير والنهضة الى أي مرحلة قد وصل وما هي إمكانيات أصحاب هذا المشروع وما هي قابلية نجاحه وتحققه في أرض الواقع ؟
قبيل هدم الخلافة لا بل منذ قرون خلت حدد الكفار غايتهم في صراعهم مع المسلمين في أمرين اثنين ، أولهما العمل على ضرب الفكرة الإسلامية ومحاولة إدخال المفاهيم المغلوطة عليها بل ومحاولة استبدالها –في مرحلة متأخرة- بمفاهيم غربية. وثانيهما هو هدم دولة الخلافة ، وكانت هذه الاهداف أحد توصيات الملك لويس التاسع عقب أسره أثناء حملته الصليبية على بلاد المسلمين وهي عينها ما عبر عنه وزير خارجية بريطانيا بعيد هدم الخلافة في مجلس العموم البريطاني بقوله-مسفراً عن الغاية المبيتة التي سعى لها الغرب بأسره وعلى رأسه آنذاك بريطانيا-قائلاً (القضية أن تركيا قد قضي عليها ولن تقوم لها قائمة لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام") ولإنجاح هذا المخطط بذل الكفار ما استطاعوا لتحقيقه وضاعفوا جهدهم للمحافظة على المكاسب التي حققوها ، بذلوا جهوداً جبارة لتحقيق الهدفين المذكورين أعلاه ،
فعلى صعيد حرب الفكرة الإسلامية عمد الكفار الى وسائل عدة وحاربوا الفكرة الإسلامية على صعد مختلفة ، فقاموا بإرسال الحملات التبشرية في سعي منهم لزعزعة أفكار وعقائد المسلمين وسعوا الى حرب اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ولا يمكن فهم الاسلام بدونها وعملوا على ادخال السم في الدسم عبر تضليل المسلمين وتحميلهم أفكاراً غربية غريبة عن الاسلام بدعوى أنها لا تعارض الاسلام أو بدعوى أنها من الإسلام وجندوا لذلك علماء ومشايخ وحركات وجمعيات ووسائل إعلام من فضائيات وإذاعات وصحف وكتاب ومفكرين ووضعت لأجل هذا الغرض مناهج تعليم ، جندت كل هؤلاء وغيرهم الكثير ليحرفوا أذهان الأمة عن فكرة الإسلام الحقة النقية ، ليحرفوا أذهان المسلمين عما أصبح يعرف بالاسلام السياسي الذي يطرح الإسلام كمبدأ وكبديل حضاري ، فترى من هؤلاء الجند من ينبري ليجعل الاسلام ديناً كهنوتياً ويوالي الحكام على كفرهم وفسقهم وحكمهم بالطاغوت وترى من هؤلاء من يزعم أن الديمقراطية هي الشورى وأنها بضاعتنا ردت إلينا وآخر يفتي الناس بجواز البنوك والتعامل بالربا وآخر يفتي بجواز زواج المسلمة من الكافر إفتراءاً على الله وآخر يجيز شرب اليسير من الخمور وآخر يزعم أن الاسلام دين الحرية الشخصية والدينية وآخر يحارب فكرة الخلافة باسم الاسلام ويصفها بالخرافة وآخر يجيز التحالف مع امريكا تحت ذريعة مشاركتها في الحرب على الأرهاب ، ومناهج تعليم تفسد على الطفل قبل الكبير دينه وتدنس فطرته فتحرفها الى العلمانية واللادينية ووسائل إعلام تقرع آذان المسلمين صباح مساء بل تداهم كل خصوصياتهم فتنفث سمومها في كل بيت وبر أو مدر لم تغادر كبيراً ولا صغيراً ولا رجلاً ولا إمرأة فتروّج للحرية والفساد والخلاعة والعلمانية وأحسنهم طريقة بل أضلهم من يضلل الأمة باسم الاسلام عبر محطات فضائية تسمى دينية تحرف الأذهان عن جادة الحق والصواب عبر طرح أحكام ضبابية وفتاوى تتماشى مع العصر والديمقراطية تسمى فتاوى شريعة بألسنة علماء خصصوا لهذا العمل وتفرغوا له .
هذا على صعيد حرب الفكرة الإسلامية ، أما على صعيد العمل على هدم الخلافة فقد استطاع الكافر المستعمر هدمها منذ أكثر من ثمانين عاماً عقب حالة الضعف التي عاشتها الخلافة مما مكن الكفار بمعونة من خونة الترك والعرب من أن ينقضوا ويجهزوا عليها ، وأصبح همّ الكفار أن يكرسوا هذا الواقع وأن يصرفوا أذهان الأمة عن الخلافة وفكرتها لئلا تعود من جديد فقاموا بخطوات عدة ، منها :
1-سعوا الى ربط ذاكرة المسلمين عن الخلافة بأنها جائرة ظالمة -وخاصة للعرب- استغلالاً منهم لبعض التصرفات الخاطئة التي حصلت قبيل هدم الخلافة والتي كان لأدوات الكفار اصبع فيها .
2-عمدوا الى تمزيق الأمة اشلاءاً متناثرة عبر تقسيمها الى دول متناحرة ولتكريس هذا التقسيم بثوا فكرة الاستقلال وجعلوا لكل دولة حدوداً جغرافية لا تتعداها وجعلوا لها عيد استقلال وعلماً وهوية .
3-سعوا الى ضرب رابطة الأخوة الإسلامية التي كانت توحد الأمة في كنف الخلافة عبر بث فكرة القومية والوطنية والقبلية والجهوية وكان لهذه الأفكار في حقبة من تاريخ الأمة رواجاً هائلاً ، كما عمدوا الى ايجاد بدائل وصور مزيفة للوحدة كمنظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية .
4-جعلوا من الدول الكرتونية التي أقاموها في بلاد المسلمين حارساً وناطوراً لهم على الأمة خشية ان تتحرك الأمة نحو الاسلام السياسي ونحو الخلافة ،ولتحقيق هذا الهدف جعلوا الدول في العالم الاسلامي دولاً بوليسية فأوجدوا لها الأجهزة الأمنية المختلفة والمتكاثرة يوماً بعد يوم فهذا جهاز أمن وقائي وذاك وطني وآخر مخابرات واستخبارات ومكافحة ارهاب وغيره وكل هذه الأجهزة ما وجدت إلا لترقب تحرك الأمة نحو مشروع النهضة الحقيقي فتقف سداً منيعاً في وجهه ، ولأجل هذه المهمة أنفق الكفار الأموال الطائلة عبر المساعدات التي تقدمها ما تسمى بالدول المانحة لهذه الدول الكرتونية ولأجهزتها البوليسية الجاثمة على صدر الامة .
5-أوجدوا عشرات الالاف من الجمعيات التي تسعى بصورة مباشرة وغير مباشرة لحرب مشروع نهضة الأمة من جمعيات حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الحيوان وغيرها الكثير فبلاد المسلمين تزخر بالجمعيات الأجنبية التي وصل تعدادها في العالم العربي حتى منتصف التسعينات الى أكثر من 70 ألف جمعية وهي في تزايد بصورة مطّردة ، ولا يخفى عليكم أن لهذه الجمعيات مآرب وغايات خبيثة تسهر على تحقيقها وتبذل قصارى جهدها لذلك .
هذا –على الحقيقة لا المجاز- غيض من فيض مما يبذله الكفار في حربهم لمشروع نهضة الأمة فهم يملكون من الأموال والمقدرات والطاقات والأجهزة الأمنية والدول البوليسية وأجهزة الإعلام والجمعيات والحركات والتنظيمات وعلماء السوء والمفكرين والكتاب والصحفيين الكثير الكثير حتى يخيل للمرء لكثرة ما يملكون أن لا طاقة لأحد بمواجهتهم أو التغلب عليهم ،
في المقابل ماذا يملك الطرف الأخر في هذه المعركة ، ألا وهم حملة مشروع نهضة الأمة ،وما هي امكانياتهم وماذا حققوا وما مصير هذا الصراع ؟
لا يملك هؤلاء لا عشر معشار ولا اقل من ذلك من إمكانيات الكفار المادية بل إن ما يملكون لا يمكن أن يقبل المقارنة مع امكانيات الكفار بسطاً على مقام فإمكانياتهم المادية تكاد تكون معدومة بل تكاد تؤول الى الصفر ، وتحكمهم بوسائل الإعلام معدوم بل إن وسائل الإعلام هذه مكّرسة لحربهم ، ويفتقرون الى العدد نسبة لأعداد الكفار والسائرين في ركابهم ، ولا أقلام ولا كتاب ولا صحفيين-إلا من رحم ربي- يشاطرهم رأيهم ومشروعهم النهضوي أو يرى إمكانية تحقيقه ، وغني عن الذكر أنهم لا يملكون دولاً ولا مؤسسات ولا جمعيات، فهؤلاء الغر الميامين لا يملكون سوى المنهج والكلمة ، لا يملكون سوى قصاصة ورق ولسان والتزام بالشرع وعدم الحيد عنه ، لا يملكون سوى ايمانهم بهذا المبدأ العظيم وبصيرتهم بالحق وسيرهم على خطى محمد صلى الله عليه وسلم ،
فماذا صنع هؤلاء في هذه المواجهة وماذا حققوا ؟
لإدراك حقيقة الانجازات التي حققها الساعون لنهضة الأمة ولإدراك حجمها الطبيعي لا بد أن توضع هذه الانجازات في سياق هذه المعركة ، فهذه المعركة بحق معركة غير منصفة لا القوى ولا الاعداد ولا الامكانيات فيها متكافئة فأي إنجاز للطرف الاضعف هو انجاز مضاعف وتقدم باهر إذ إن النظرة العقلية المجردة عن الإيمان بالله تحكم قطعاً بفشل هؤلاء لا بل بالقضاء عليهم واستئصال شأفتهم لشدة ضعفهم وقلة حيلتهم أمام هذا العدو المتجبر الذي يملك من الإمكانيات والقدرات ما لا طاقة لهم بدفعه ، لذا كان لا بد من مراعاة هذا السياق للإنصاف ، ومع ذلك قد يظن المرء أننا نذكر ذلك لضآلة ما حقق الساعون لنهضة الأمة من انجازات مع أن الواقع يدل على خلاف ذلك ، فالساعون للتغيير برغم ما ذكرنا من ضعفهم وقلة حيلتهم وعبر العقود الماضية استطاعوا أن يبهروا الكفار بل وأن يجعلوهم مشدوهين حيارى وكل ذلك بفضل من الله ومنه ، فلقد استطاع دعاة الخلافة-بفضل الله ومنه- أن يردوا سهام الكافرين الى نحورهم وأن يبطلوا سحرهم ويكشفوا كيدهم ، ونظرة خاطفة سريعة الى حال الأمة والكفار اليوم ترينا ذلك رأي العين وتؤكد أن الكفة باتت ترجح لصالح مشروع نهضة الأمة ،
فالأمة اليوم وبالرغم من الجهود الجبارة التي بذلت من قبل الكافرين ما عادت تقبل عن الإسلام بديلاً ولا عادت تقبل الاسلام المداهن للحكام ولا الاسلام الأمريكي ولا الأوروبي أو ما يسمى بالاسلام المعاصر أو الوسطي وها هي تنقب عن أحكام دينها ولا ترضى الإ بالاسلام النقي بديلاً عما سواه ، فبالله عليكم أين القومية ورواجها أو العلمانية ودعوتها أو الاشتراكية والمروجون لها أو الجهوية العصبية من أوساطكم ، ألم تصبح هذه الأفكار أثراً بعد عين ؟! ألم تعد الأمة لمعدنها ودينها وأصبحت ترفض ما سواه ؟!
ثم أين هؤلاء الحكام الذين كانت الأمة عبر سنين الضلال والغفلة تهتف باسمهم وتلهج ألسنتها بذكرهم وتعلق آمالها عليهم ، ألم يعد هؤلاء دمىً في نظر الأمة يحركها الكافر حيث يشاء ؟! ألم يصبح هؤلاء أمواتاً لا ترجو الأمة منهم لا عدلاً ولا صرفاً ولا حياةً كريمة ؟! بل ألم تصبح الأمة تلعنهم وتسخط عليهم وتتبرأ الى الله منهم ومن فعالهم وتآمرهم عليها وغدرهم بها صباح مساء ؟!
ثم أين تلك الحدود التي مزقت الأمة وأين قدسيتها الكاذبة ؟! ألم تعد الأمة تتطلع للوحدة ولم تعد تقيم وزناً لهذه الحدود ؟! ألا ترون كيف يشعر اهل فلسطين بأهل العراق وأهل السودان بأهل افغانستان وأهل كشمير بأهل الشيشان ؟! ألا ترون معي كيف يتطلع المسلمون جميعا في كافة أقطار المعورة الى الوحدة الحقيقية في ظل دولة واحدة لا يقيمون فيها وزناً لا للون ولا لعرق ولا لحدود سوى لإسلامهم .
ومن ثم ألا ترون كيف أصبحت دعوة الخلافة هي البضاعة والصناعة للأمة وأصبحت محط أنظارها وأملها في الخلاص بل إن وعي الأمة على دينها وعلى الخلافة يزداد يوماً بعد يوم ورأيها العام في طريقه ليصبح رأياً منبثقاً عن الإسلام دون سواه .
ثم ألا ترون أن الكرّة قد انقلبت على الكافرين فأصبحت أفكارهم في معرض النقض وبيان بطلانها على الصعيد العالمي لا المحلي فحسب وأصبح المسلمون-وخاصة في بلاد الغرب- يهاجمون الأفكار الرأسمالية الغربية في الصميم -بدل ان يندمجوا في المجتمعات الغربية كما اراد لهم الكفار- مما قاد الى اعتناق عشرات الألاف من الغرب للإسلام وهذه علامة تراجع ونكوص لمشروع الكفار .
من مجمل ماذكر نستطيع الحكم والقول بلا تردد أن مشروع الخلافة-مشروع نهضة الأمة- في تقدم لا بل في تسارع ومشروع الكفار في تقهقر وانحسار ولكي نُبلغ في الدلالة نذكر النقاط التالية التي تؤكد ذلك :
1.حالة الذهول التي اصابت الكفار عقب كل ما بذلوه لصد الأمة عن نهضتها ودينها وبدل أن تصاب الأمة في مقتل كما طمع عدوها جراء هذه المعركة نرى الأمة قد حزمت أمرها نحو خلاصها عبر تبني مشروع الخلافة مما دعا الكفار الى إعلان الحرب صليبية بصورة علنية وفي ذلك إعلان إفلاس لهم وفشل لجميع المخططات التي رسموها من قبل عبر العقود الماضية .
2.التقارير والأبحاث والتوصيات التي تصدر عن مراكز أبحاث الكفار كمؤسسة رند ومركز نيكسون للإبحاث والتي تعترف بدنو قيام الخلافة وتعتبره السيناريو المتوقع للعالم في السنوات القليلة القادمة مما دعا زعماءهم الى اظهار تخوفهم من عودتها بصورة علنية فذلك بوش يصرح مراراً وتكراراً قائلاً (إن أولئك المتطرفين-ويعني اصحاب مشروع الخلافة- مصممون على القضاء على أي تأثير أميركي أو غربي في الشرق الأوسط) وقال ايضاً مبدياً تخوفه وحذره (سيسعى أولئك إلى تأسيس امبراطورية إسلامية متطرفة. فهم يعتقدون أن السيطرة على بلد واحد سيحشد الجماهير المسلمة، ويمكنهم من إسقاط الحكومات المعتدلة في الشرق الأوسط، وإقامة إمبراطورية إسلامية تمتد من أسبانيا إلى إندونيسيا)،وكذا صرح صنوه بلير قائلاً(إن تحكيم الشريعة في العالم العربي، وإقامة خلافة واحدة في بلاد المسلمين، وإزالة نفوذ الغرب منها، هو أمر غير مسموح، ولا يمكن احتماله مطلقاً) ووزير داخليته كلارك صرح ايضاً قائلاً (إن مسألة عودة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية أمران مرفوضان لا يقبلان النقاش أو المساومة)وبوتين الذي اعتبر روسيا خط الدفاع الأول عن أوروبا لأنه-على حد قوله- (يوجد من يعمل على إسقاط الأنظمة العلمانية بغية إقامة دولة إسلامية في آسيا الوسطى) وساركوزي الذي حذر من امبراطورية اسلامية تمتد من اسبانيا الى نيجيريا وكل هذه التصريحات تؤكد أن الأمة تتجه نحو مشروع نهضتها وما عادت تلتفت الى ما سواه وتؤكد مدى الخوف والهلع الذي أصاب الكفار جراء ذلك .
3.عقب حرب افغانستان وانعتاق طالبان قررت أمريكا أن تتراجع عن استعمال الحركات الاسلامية المخترقة لتحقيق مصالحها وأهدافها وقررت ضرب كل حركة اسلامية مهما كانت واليوم تشهد هذه السياسة تراجعاً بسبب فشل السياسة الأمريكية في حرب الإسلام السياسي فعادت أمريكا تريد ضرب الإسلام ومشروعه النهضوي بحركات ما يسمى الاسلام المعتدل المقبول امريكياً وفي ذلك دلالة واضحة على عجز أمريكا على مواجهة تقدم وتسارع مشروع الأمة بأفكارها الرأسمالية العفنة مما ألجأها مرة أخرى لإستخدام ورقة الحركات الاسلامية التي تصنف أمريكياً بأنها حركات معتدلة ومقبولة وأخذ يفاوضها ويحاورها لايصالها الى الحكم أو لاشراكها فيه .
هذه هي أهم المعالم والاشارات الدالة على تقدم وتسارع مشروع نهضة الأمة وتقهقر وانحسار وفشل مشروع الكفار وأن مشروعهم هذا -بإذن الله- الى زوال واندحار ،وهذه المعالم والاشارات قد اربكت الكفار وشدهتهم وأصابتهم بالهلع فهم عبر أكثر من ثمانين عاماً يسهرون على تضليل الأمة وحرفها عن جادة دينها وسبب عزها ومجدها ويبذلوا الغالي والنفيس لأجل هذا الغرض بعد كل ذلك يتفاجئ هؤلاء بثلة قليلة العدد والعدة تستطيع بجهودها المحدودة ان تغير مسار الأمة وأن تجعل الكفة ترجح لصالح الأمة ومشروع نهضتها ، إن ما لا يدركه الكفار هي تلك القوة الروحية الكامنة في نفوس العاملين لنهضة الأمة ومعونة الله لهم ، لذا فهم بعد كل ما بذلوا اصيبوا بالخذلان وشعروا بدنو الهزيمة ، فهلاّ أحسستم بذلك أيها المسلمون وتفطنتم له كما تفطن له عدوكم ! والحال كذلك كيف يمكن لليأس أو الاحباط ان يتسللان لقلب مؤمن ! وأنى لمؤمن أن يرضى لنفسه أن يبقى متفرجاً في هذه المواجهة الخطيرة !
إن الكفار قد أجمعوا كيدهم صفاً لحربكم ولحرب دينكم وخلافتكم المنشودة رمز عزكم ونهضتكم وها هم يقاتلونكم في آخر الخنادق فالمعركة جد خطيرة والظرف حاسم فلا يؤتين من قبلكم وسارعوا قبل فوات الأوان للعمل مع من نصبوا نحورهم وأنفسهم لأجل نهضتكم وعزكم حتى تُسرّعوا عجلة التغيير وتحققوا مشروع النهضة فتفوزوا بالنصر والتمكين في الدنيا والمغفرة والفلاح في الآخرة .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
مفهوم الجهاد بين الواقع والشرع وعلاقته بإقامة الخلافة
مفهوم الجهاد بين الواقع والشرع وعلاقته بإقامة الخلافة
إن فرض الجهاد في سبيل الله يعد من فروض الاسلام العظيمة وهو صنو العمل لإستئناف الحياة الإسلامية ، وهذان الفرضان : العمل لإستئناف الحياة الاسلامية وفرض الجهاد هما أس الإسلام وسبب وجوده في أرض الواقع لأن الفرض الأول يجسد المبدأ في دولة وهي دولة الخلافة والفرض الثاني يعمل على حماية الدولة والمبدأ وحمله الى العالم ، وعلى مدى تاريخ الأمة ضعف الجهاد بضعف الخلافة وقوي واشتد ساعده وحقق هدفه وغايته بقوة الخلافة ورسوخ فهمها للإسلام ، فهما أي الفرضان فرض الخلافة والجهاد كانا متلازمين متكاملين ، ولأجل ذلك كان لهما هذه المكانة في الإسلام فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن وجوب تنصيب خليفة يحكم بكتاب الله وسنة رسوله وبيّن عظم هذا الفرض ببيان عظم الإثم المترتب على تركه بقوله (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) كما بين لنا أهمية الجهاد ومكانته في الإسلام عندما قال صلى الله عليه وسلم (الجهاد ذروة سنام الإسلام ).
لذا سنقف في هذه المقالة عند ست محطات نسعي من خلالها الى تذكير الأمة بفرض الجهاد وترسيخ مفهومه وبيان حقيقته الغائبة عن الأذهان والواقع ، وإزالة كل شائبة علقت به في وقتنا الراهن، كما نسعى الى بيان علاقة الجهاد بالعمل لإقامة الخلافة .
أولاً :مفهوم الجهاد وغايته وسببه في الإسلام
الجهاد شرعاً : هو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك ، فالقتال لإعلاء كلمة الله هو الجهاد . والجهاد شرّع في الإسلام لكسر الحواجز المادية التي تقف حائلاً دون نشر دعوة الإسلام ، فقد جعل الإسلام طريقة نشره عبر الجهاد، وجعل الكفر وامتناع الناس قبول دعوة الإسلام هو سبب قتالهم بينما جعل قبولهم الجزية وخضوعهم لأحكام الإسلام سبباً لوقف القتال لا لبدئه ، فالمسلمون يجاهدون لنشر دعوة الإسلام لا لأجل قتال الكفار قال عليه السلام (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله فهو في سبيل الله) لذا فأول ما يبدأون به القوم هو دعوتهم الى الإسلام فإن أجابوا كف المسلمون عنهم وإلا فالجزية وخضوعهم لأحكام الإسلام ليكون خضوعهم هذا هو دعوة عملية لهم ليدركوا عدل الإسلام وحكمته ، فإن أبوا فالقتال لا لإكراه القوم على اعتناق الإسلام بل لإزالة الدول والكيانات المهيمنة على الشعوب والتي تحول بين الناس ودعوتهم الى الإسلام ،وقد بين الرسول الكريم هذا النهج بقوله (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم....، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) ، وعلى ذلك كان الجهاد هو الطريقة العملية لنشر مبدأ الإسلام للبشرية ودعوتهم الى إعتناقه .
كما ان الجهاد شرّع للدفاع عن بلاد المسلمين التي تتعرض للغزو الخارجي ويتم الإعتداء فيها على المسلمين أو اعراضهم أو احتلال ديارهم ، فالجهاد هنا يكون للذود عن حياض المسلمين وصون دمائهم وأعراضهم وتحرير بلادهم .
ثانياً :أنواع الجهاد ، جهاد الطلب وجهاد الدفع
فالجهاد إذا كان لأجل نشر المبدأ ودعوة الناس لإعتناق الإسلام ولكي تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى كان الجهاد كما يسميه البعض جهاد الطلب وهو الأصل في فرض الجهاد والحالة الأصيلة له وهو فرض كفاية بمعنى أنه يجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته في كل وقت وزمان فإن خلا وقت لا يكون للمسلمين فيه جيش يحارب الكفار ويحمل لهم الدعوة أثم المسلمون جميعاً ، أما إن قام به البعض سقط عن الباقين فإذا قام أهل مصر بالجهاد سقط الفرض عن أهل أندونيسيا إذ قد وجد فعلاً قتال من المسلمين للكفار فسقط الفرض .
أما جهاد الدفع فهو للدفاع عن بلاد المسلمين تتعرض للغزو والإعتداء الخارجي وحينئذ يجب على أهل القطر المعتدى عليه القتال وجوباً عينياً لرد هذا العدوان فإن استطاعوا رد هذا العدوان سقط الفرض عن بقية المسلمين وإن لم يستطيعوا رده وجب الجهاد على كل قطر من أقطار المسلمين الأقرب منهم فالأقرب حتى يتم رد العدوان وقهر العدو .
أما كون جهاد الطلب هو الأصل في فرض الجهاد والحالة الدائمة له ، فهو أن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي فرضت الجهاد وحضت عليه كلها جاءت مطلقة دون تقييد وعامة دون تخصيص الأمر الذي يدل على الحالة الأصلية لفرض الجهاد وهي القتال لأجل نشر المبدأ فالله سبحانه يقول (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) ويقول أيضاً (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) ويقول جل من قائل (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (جاهدوا المشركين باموالكم وأيديكم وألسنتكم) وقال صلى الله عليه وسلم(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله) وقال (والجهاد ماض منذ بعثني الله الى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) فهذه النصوص وغيرها الكثير تطلب من المسلمين الجهاد بصورة مطلقة دون أن تقييدهم بظرف من الظروف وتطلب منهم قتال كل كافر حتى يقول لا اله إلا الله سواء اكان معتدياً أم لا وتطلب منهم قتال من يليهم من الكفار سواء أكانوا معتدين ام لا ، وتطلب منهم ديمومة الجهاد واستمراره الى يوم القيامة سواء وجد إعتداء على بلاد المسلمين أم لا ، فهذه النصوص تدل على أن وجوب الجهاد غير معلق بشرط من الشروط او بظرف من الظروف كحالة الإعتداء الخارجي مثلاً مما يؤكد ما ذكرناه من ان الحالة الأصلية للجهاد هي مبادأة الكفار لحمل رسالة الإسلام لهم ودعوتهم دعوة عملية لإعتناق عقيدة الإسلام .
بينما كان جهاد الدفع معلقاً بوجود إعتداء خارجي من قبل عدو على بلاد المسلمين أو أعراضهم أو أرواحهم أو اموالهم وهذه حالة استثنائية وليست حالة دائمة لذا كان جهاد الدفع حالة استثنائية متفرعة عن حالة أصيلة .
ثالثاً :علاقة الأمة بالجهاد بعد هدم الخلافة
كانت الأمة الإسلامية عبر القرون الماضية -خلا بعض الفجوات الزمنية هنا وهناك- مصانة العرض مهابة الجانب لا يطمع فيها طامع ولا تمتد الى أراضيها أو أبنائها أو أعراضها يد لامس ، وما حادثة المعتصم إلا صورة مشرقة عما كانت تصنع الخلافة حال تعرض أحد رعاياها للظلم وانتهاك الحقوق فكيف بإحتلال الاراضي وقتل النساء والأطفال والشيوخ؟! لقد كانت الخلافة تغزو بلاد الكفار وقلما من حدثته نفسه من دول الكفر أن يعتدي عليها ، فكانت الخلافة تقوم بفرض الجهاد كما نزل الوحي بأصله وكما أسماه البعض بجهاد الطلب ، وامتداد رقعة بلاد المسلمين عبر القرون الماضية لتشمل معظم قارات العالم القديم خير شاهد على جهاد الخلافة وفتحها للبلدان ،
واليوم وبعد أن غابت شمس الخلافة قسمت بلاد المسلمين شذر مذر وقطعت ديارهم أشلاءاً متناثرة فطمع فيهم وفي بلادهم وفي خيراتهم الطامعون ، فاعتدى عليهم المعتدون ولا زالوا ، يقتلون أبناءهم صباح مساء وينتهكون أعراضهم وينهبون خيراتهم ويحتلون أرضهم فما عاد المسلمون يطلبون العدو في بلاده ولا عادوا يحملون الخير للبشرية بل أصبح العدو يغزوهم في عقر دارهم وأصبح يحمل لهم أفكاره العفنة بدل أن يحملوا هم رسالة الإسلام للعالم ،
وجراء الإحساس بهذا الواقع المرير الذي عاشته وتعيشه الأمة وجراء تكرار احتلال الكفار لبلاد المسلمين واستمراره ، في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وكشمير وأفطاني والشيشان وغيرها ، وجراء وجود الخير والرغبة في القيام بالأعمال الجهادية لدى أفراد المسلمين ذوداً منهم عن دينهم ودمائهم وأعراضهم وخيراتهم ،تولد لدى المسلمين حركات تتخذ من الأعمال الجهادية نهجاً لها وترى في الجهاد سبيلاً لخلاص الأمة وأصبحت تطرح هذا النهج معتمدة فيه على أدلة الجهاد كتلك التي أوردناها في بداية هذه المحاضرة وشاع الأمر لدى أبناء الامة وأصبحت هذه الأعمال الجهادية تلاقي رواجاً لدى أبناء الامة بصورة مطردة جراء ما يقترفه الكفار من أعمال إجرامية بحق المسلمين مصحوباً بعدم تحرك جيوش المسلمين دفاعاً عن كرامة أمتهم، مما زاد من مخزون الحقد على هؤلاء الكافرين وجعل كل فرد من أفراد المسلمين يتطلع بحرقة الى يوم يشفي فيه غليله وينتقم فيه لأعراض ودماء وحرمات المسلمين ، وزاد من حدة الأمر احداث الحادي عشر من سبتمبر والتي زادت من شعبية العمل الجهادي وجعلت بعض أفراد المسلمين يتعلقون بهذه الاعمال ويرون فيها الخلاص مما تعانيه الأمة بل وجعلت من المسلمين عبر أقطار المعمورة مشاريع شهادة ، وفي ذلك خير ، بَيد أن مفهوم الجهاد أصابه صدع جراء هذه الظروف والأحوال وتمحور حول صورة واحدة من الصور الفرعية لجهاد الدفع ولم تعد الأمة تلقي بالاً للمعني الحقيقي للجهاد بشقيه الطلب والدفع بل لم تعد تتصوره في أرض الواقع بل لم يعد يخطر لها على بال ، فعلاقة الأمة بالجهاد بعد هدم الخلافة لم تتعد أعمال المقاومة والأعمال الجهادية الفردية وغاب عنها فرض الجهاد بحلته الأصلية ، جهاد الطلب والدفع الحقيقي المتمثل في تحرك الجيوش لتحرير البلدان المحتلة والمغتصبة والمعتدى عليها .
رابعاً :المقاومة صورة من صور جهاد الدفع الفرعية
إن واقع الأعمال المسلحة التي تقوم بها الحركات الجهادية هي في غالب الأحيان أعمال جهادية فردية وهي بلا شك أعمال مشروعة بل ممدوحة شرعاً غير أن هذه الأعمال ليست هي الصورة الأمثل لجهاد الدفع بل هي صورة متواضعة من صوره إذ أن جهاد الدفع بصورته الحقيقية يقتضي تحرك جيش البلد المحتل أو جيش جيرانه الأقرب منهم فالأقرب حتى يتم رد العدوان وقهر العدو فغاية جهاد الدفع رد الاعتداء وقهر العدو وليس مجرد إلحاق الأذى به وإن كان ذلك جزءاً منه ، وغالب أعمال المقاومة التي تشهدها بلاد المسلمين المحتلة ليس من شأنها رد العدوان أو قهر العدو وهذا أمر طبيعي إذ إنها لا تَخرج عادة عن صورة الأعمال الفردية في قالب عمل جماعي وطبيعة الحال أن الأعمال الفردية ليس من شأنها أن تؤثر تأثيراً جوهرياً على تصرفات وسياسات الدولة المعتدية ، فصورة جهاد الدفع الحقيقية أن يتم تجريد الجيوش للدفاع عن أرض الإسلام وعن حرمات المسلمين ، ونظرة خاطفة الى تاريخ الأمة نرى كيف تعاملت الأمة بقادتها وجيوشها مع بلاد المسلمين المحتلة فإحتلال بيت المقدس دفع القائد المظفر صلاح الدين الى تحريك الجيوش الجرارة للقضاء على الصليبين ولأجل ذلك عمل على توحيد مصر والشام وجمع شملهما عقب حالة التفتت التي عاشتها الأمة آنذاك فكان تحرير بيت المقدس على يديه ، والمسلمون وقتئذ لم يعتمدوا ويتكلوا على تحرك فرادى المسلمين الواقعين تحت الإحتلال الصليبي لتحرير بيت المقدس ، وهكذا تعامل المسلمون مع التتار حال غزوهم لبغداد وهكذا يجب أن تتعامل الأمة مع بلاد المسلمين المحتلة في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والشيشان وكشمير وغيرها .
لذا فمحاولة قصر مفهوم الجهاد على صورة فرعية أو فردية من صور جهاد الدفع وهي أعمال المقاومة هي محاولة لتضليل الأمة عن واقع الجهاد، الطلب والدفع الحقيقي، ألا هو تحرك الجيوش تحت إمرة أمير يقودهم لتحرير البلاد المحتلة ولرد كل إعتداء يصيب الأمة ولنشر الإسلام للأمم والشعوب الأخرى ، فمحاولة إغفال هذا الفرض بهيئته الأصلية والأصيلة هي محاول تنطوي على سعي لترسيخ واقع المهانة والذلة التي تحياه الأمة ولصرفها عن العمل الحقيقي الذي من شأنه أن يرد إعتداء المعتدين .
إن الأعمال الجهادية الفردية ليس من شأنها أن تقهر العدو وتنكل به التنكيل الذي يثنيه عن غايته لذا كان من واجب الأمة والحركات الاسلامية العاملة فيها أن لا تكتفي بالقيام بالأعمال الجهادية الفردية-أعمال المقاومة- وتأييدها والتحمس لها أو دعمها ببعض الأموال هنا وهناك بل يجب على هؤلاء جميعاً أن يعملوا لتحريك الجيوش الرابضة في ثكناتها عبر تكوين جبهة ضغط متواصل على أبنائهم المنتسبين للجيوش فيحركوهم نصرة لقضايا الأمة ودفاعاً عن حرماتها وبلادها المحتلة .ولأجل تعزيز هذا المطلب يجب على الحركات الجهادية أن تقلع عن طلب المساعدات المالية أو السياسية من الدول القائمة في العالم العربي والإسلامي بل يجب عليها أن تحمل هذه الأنظمة وجيوشها مسؤولية تحرير بلاد المسلمين المحتلة وان تطالب الجيوش بمؤازة جهادهم لا أن تطمأن هؤلاء بأن المسلمين بخير ولا ينقصهم سوى بعض الفتات من الأموال المشبوهة أو دعم سياسي من الأنظمة الذليلة التابعة للكافر المستعمر مع أن الواقع خلاف ذلك فبلاد المسلمين المحتلة تحتاج للتحرير وليس لمجرد دعم مالي مشبوه أو سياسي تابع. إن الواجب على هذه الحركات أن ترفض هذه المساعدات لما تنطوي عليه من شراء للذمم ورهن للقرار بيد حفنة متآمرة على الأمة وقضاياها حتى لا تكون هذه الحركات جزءاً من المشهد السياسي الذي يرسمه الكافر المستعمر للبلاد المحتلة عبر أدواته من الحكام والدول التابعة له .
خامساً :ضرورة ارتباط فكرة التحرير بتحكيم الإسلام
إن جهاد الدفع -كان عبر تاريخ الأمة- عن البلاد المحتلة لأجل تحريرها وردها من جديد الى ديار المسلمين التي تخضع لسلطان المسلمين وتحكم بنظام الإسلام ، وبمعنى آخر لأجل إعادتها الى حظيرة دار الإسلام لتحكم بالإسلام ويكون أمانها بأمان المسلمين ، فتحرير الأرض فحسب لم يكن منتهى غاية المسلمين بل إعادة لحمتها الى دار الإسلام لتستظل بظل حكمه وسلطانه ، واليوم واجب المسلمين أن يعوا أن جهاد دفعهم ليس لمجرد التحرير فحسب بل لا يصح أن يكون التحرير دون أن يرتبط بتحكيم نظام الإسلام غاية المجاهدين ، فالمسلم لا يقاتل ولا يبذل الغالي والنفيس ليحرر بقعة من بلاد المسلمين ويهب فيها الحكم والسلطان والسيادة لجهات تحكم بغير ما أنزل الله . لذا كان على المجاهدين أن يكون أعمالهم الجهادية مرتبطة بمشروع أكبر وهو مشروع إستئناف الحياة الإسلامية عبر إقامة الخلافة الراشدة الثانية .
سادساً : علاقة الجهاد بطريقة إقامة الخلافة
إن الجهاد بأنواعه المختلفة ليس طريقاً لإستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية فهو كما ذكرنا آنفا شرع لغرضين إثنين أولهما حمل الدعوة للأمم والشعوب الأخرى وثانيهما رد العدوان الحاصل على المسلمين ، بينما إقامة الدولة الإسلامية تقتضي السير في الطريق السياسي عبر الصراع الفكري والكفاح السياسي اقتداءاً وتأسيا بخطى المصطفى صلى الله عليه وسلم حال إقامته لدولة الإسلام الأولى وعليه فأي خلط بين الجهاد والعمل لإقامة الخلافة هو خلط في غير محله وهو عدم إدراك لواقع كلا الفرضين ولطريقة القيام بكل واحد منهما .
إن ما أشكل فهمه على البعض من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال الحاكم المصرّ الذي يظهر الكفر البواح لا يصلح دليلاً على أن الجهاد يعتبر طريقاً لاقامة الخلافة إذ ان قتال الحاكم الذي يظهر الكفر البواح لا يعد جهاداً في عرف الفقهاء إذ هو قتال لاستعادة الحكم في ظل دار اسلام حكمت بأحكام الكفر فترة مؤقتة فوجب على المسلمين قتال الحاكم الذي أظهر الكفر البواح وحكم به ليزيل المسلمون هذا الظرف الطارئ ويعيدوا الحكم الى نصابه ، ولا يكون ذلك الا في ظل وجود دار الاسلام وتطبيق الحاكم لأحكام الكفر البواح فيها لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن هذه الحالة (أفلا ننابذهم يا رسول الله ، قال لا ، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ).
إن العمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية هو الذي يؤصل لإعادة فرض الجهاد بحلته الحقيقية المثالية التي ترضي رب العالمين عبر تجييش الجيوش لتحرير البلدان وفتح الأمصار تحت راية العقاب وتحت إمرة أمير المؤمنين أمامهم الذين يقاتلون من ورائه ويتقون به .
إن على الأمة الإسلامية أن تعي على مبدئها بفكرته وطريقته وتعي على قضاياها المصيرية فتدرك خلاصها فتسير وفق هذا الوعي والإدراك حتى تستطيع إيجاد مبدئها في أرض الواقع وتخلص نفسها والبشرية جميعا من الضنك الذي تحياه .
نسأله سبحانه أن يعجل لنا بقيام الخلافة الراشدة الثانية فتقيم فينا شرع الله وتحرر البلاد والعباد من هيمنة الكفار العسكرية والفكرية وتحمل رسالة الإسلام رسالة خير وهدى الى الأمم والشعوب الأخرى .
إزمة ارتفاع الاسعار ، عَرَضٌ مؤقت أم مرض مزمن؟
إزمة ارتفاع الاسعار ، عَرَضٌ مؤقت أم مرض مزمن؟
(وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
يعيش العالم اليوم أزمة لم يسبق لها مثيل عبر العقود لا بل القرون الماضية ، أزمة طالت الملايين من البشر لا بل المليارات منهم ، إنها أزمة ارتفاع الأسعار التي هبت رياحها المهلكة لتجوب كافة أقطار المعمورة فتنفث دمارها وإهلاكها للحرث والنسل فتترك الناس صرعى معدهم الخاوية يندبون حظهم ويقاسون الصعاب لا ليركبوا سيارة فارهة أو ليستلقوا على فرش وثيرة أو ليتلهوا بألعاب الفيديو أو بالتمتع بمتعة التسوق كما ييسمونها، بل يقاسون ليحصّلوا لقمة العيش التي أضحت نادرة ندرة الكبريت الأحمر ، إن أزمة ارتفاع الاسعار هذه قد شملت المواد الغذائية الاساسية مما جعل هذه الأزمة العالمية فريدة من نوعها وشمولها لكافة القارات إذ لم يرو في التاريخ أن عاشت البشرية حالة فقر وعوز كتلك التي تحياها في هذا الزمان ، وإن كان القحط أو الكوارث أو الأزمات الإقتصادية القديمة تنزل بالناس عبر السنين الخالية لكنها كانت محصورة في بقعة ما لا تتعادها لتشمل غيرها وتشمل العالم .
فما أسباب هذه الأزمة الرهيبة ؟ وما هي مخلفاتها ؟ وهل هذه الأزمة ظرف طارئ قد بدا في الأفق تغيره ؟ أم أنه مرض مزمن يحتاج لجراحة عميقة خطيرة واستئصال المرض من جذوره ؟
للوقوف على حقيقة ما جرى ويجري رأينا أن المقالة الى محاور خمسة ، هي :
المحور الأول :السياسة الإقتصادية للمبدأ الرأسمالي .
المحور الثاني : أسباب حدوث الأزمات في المبدأ الرأسمالي .
المحور الثالث : الأسباب المباشرة للأزمة الحالية (أزمة ارتفاع الأسعار).
المحور الرابع : مخلفات هذه الأزمة .
المحور الخامس : الحل .
المحور الأول :السياسة الإقتصادية للمبدأ الرأسمالي
إن المدقق في طبيعة المبدأ الرأسمالي يدرك أن هذا المبدأ يعاني من خلل جوهري تعلق بعدم قدرة هذا المبدأ وواضعيه على إدراك المشكلة الاقتصادية عبر عدم التمييز بين ما يعرف اليوم بعلم الاقتصاد والنظام الاقتصادي ، فعلم الاقتصاد يبحث في المادة الاقتصادية والثروة سواء أكانت سلعاً أم خدماتٍ من جهةِ تنميتِها أو تأمينِ ايجادِها ، بينما يبحث النظام الاقتصادي في توزيعِ الثروةِ على أفرادِ المجتمع ليتمكنَ كلُ فردٍ من حيازتِها والانتفاعِ بها وهو ما يمثلُ المشكلةَ الاقتصادية وليس توفير الثروة وتنميتها إذ أن الكرة الأرضية تحوي من الخيرات ما يعم البشر جميعاً إن أُحسن توزيعه دون عناء بل إن ما في العالم اليوم من خيرات يفيض عن حاجة البشر أضعافاً مضاعفة .ُ وعدم إدراك المبدأ الرأسمالي حقيقة المشكلة الإقتصادية وخلطه بين مفهومي علم الإقتصاد والنظام الإقتصادي قاد الى صرف اهتمام هذا المبدأ الى تنمية الثروة وتحسينها وانتاجها لتدر الربح الكثير بغض النظر عما اذا كانت هذه الثروة في متناول الجميع أم لا ، لذا فأشباع حاجات الفرد الأساسية من مأكل ومسكن وملبس -والتي يجب أن تكون هدف أية سياسة اقتصادية ناجحة- ليست في سلم أولويات المبدأ الرأسمالي ونظامه الاقتصادي بل لا يأبه لها ولا تخطر له على بال ، فترك هذا النظام الفرد وحيداً بقواه الضعيفة يلاطم أمواجاً عاتية ليحصّل لقمة العيش وينتزعها من مخالب الرأسماليين الكبار أصحاب الشركات متعددة الجنسيات الذين لا يأبهون سوى لزيادة أرصدتهم في البنوك بتحصيل أعلى مردود من الربح ، فهؤلاء الرأسماليون يجسدون المثل الذي كان يظنه البعض مثلاً تجريدياً أو فرضياً بأن (بائع اللبن في النظام الاقتصادي الرأسمالي يمنع اللبن عن طفل مريض ويحتاج إليه كعلاج بسبب عدم مقدرة أبيه عن دفع ثمن اللبن، بينما هذا البائع يعطي اللبن للغني ليقدمه لكلابه لقدرته على دفع ثمنه).
وبسبب هذا الخلل كان من الطبيعي أن ينتج عن هذا المبدأ مشكلات اقتصادية تعصف بحياة الفرد الفرد باستمرار بيد أن الخلل أشد وأعمق إذ أن أسس هذا النظام تحمل المشكلات في طياتها بصورة دائمة ولبيان ذلك ننتقل الى المحور الثاني من هذه المحاضرة وهو : أسباب حدوث الأزمات في المبدأ الرأسمالي
إن الازمات الاقتصادية هي جزء من تكوين هذا النظام لا تكاد تنفك عنه بل تصاحبه حيثما حل وارتحل ، فألازمه الاقتصادية الحالية التي باتت تعاني منها كل الدول وتسحق كل الشعوب، ليست حاله فريدة في ظل هذا النظام الرأسمالي، فقد سبقتها أزمات كبرى عدة وصمت هذا النظام بنظام الأزمات ،كأزمة الكساد الكبير عام 1929 عندما انهار سوق الأسهم الأمريكية مسبباً الكساد والركود الذي عم العالم، إلى أزمة انهيار وول ستريت عام 1987 عندما خسر مؤشر داو جونز 22.6 % ومنه إلى الأسواق المالية العالمية، وأزمة عام 1997 عندما حصل هبوط حاد في أسعار الأسهم في الأسواق المالية الكبرى ، بدأ في هونغ كونغ ، فاليابان فأوروبا ثم أمريكا، وقيل حينها إن بورصة هونغ كونغ خسرت في يوم واحد ما يقارب تريليون دولار.وقبلها كانت أزمة النمور الآسيوية ، وأزمة عام 2002 حيث تراجعت أسواق المال العالمية بعد التزوير في حسابات شركه انرون. والآن أزمة الرهن العقاري وانخفاض الدولار وارتفاع الأسعار ، وترجع أسباب هذه الأزمات الى الركائز الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام مما يجعل انفكاك هذه الأزمات عن هذا النظام أمراً مستحيلاً ، وهذه الركائز هي :
1. نظام النقد الورقي الإلزامي:
حيث خول هذا النظام الدولة في المبدأ الرأسمالي بإصدار أوراقٍ إلزامية تكون نقوداً للناس أي مخزن جهدهم وأموالهم وهي في حقيقة الأمر ليست سوى مجرد أوراق ليس لها قيمه حقيقية كحال الذهب والفضة بل قيمتها مستمدة من إلزام الدولة التي تصدرها وتتحكم فيها ، وبين عشية وضحاها قد يخسر الناس في ظل نظام النقد هذا جل ما يملكون أو جزؤه بسبب اضطراب أو هزات تصيب هذه العملة أو النظام الذي أصدرها فيفقدها الثقة التي اكسبتها القيمة فلا تعود الأجور كافيه وتضطرب الحياة الاقتصادية. والأمثلة على ذلك كثيرة ونحياها صباح مساء .
2.نظام الربا المصرفي ( أو ما يعرف بالفائدة):
وهو ركيزة من ركائز النظام الرأسمالي وسبب رئيس من الأسباب التي تنتج الأزمات الإقتصادية ، فمن خلال هذا النظام أصبح عوز الناس وحاجتهم للقروض مصدر دخل لأرباب الأموال والبنوك ، وقد أدى هذا النظام إلى تركز الثروة والأموال في أيدي قلة قليلة من المضاربين الأثرياء الجشعين وما عاد هدف الإقراض تحريك عجلة التجارة أو الصناعة أو تنشيط الزراعة بل أصبح لها هدف واحد هو تحقيق الربح عبر الفوائد المتراكمة والتي غالباً ما تدمر أي مشروع يقوم أساسه على اقتراض بل إن أرباح مثل هذا المشروع تصبح ملكاً لصاحب المال المقرض أو للبنك ، فواقع الربا من هذه الجهة هو استعباد للبشر الذين لم يجدوا أسباباً للعيش أو للتنمية وسرقة لجهودهم.
3. نظام الأسهم والشركات المساهمة:
وهذا النظام قسم الاقتصاد إلى قسمين: اقتصاد فعلي يتمثل في المصانع والشركات واقتصاد وهمي يتمثل في الأسهم التي يتم تداولها عبر الأسواق المالية ، فأصبحت الأسهم بذاتها تجارة مستقلة بمعزل عن موجودات المصانع والشركات ومحلاً للشراء والبيع والمضاربة عبر الأسواق المالية التي باتت تعرف باسم البورصات، وبسبب جني الأموال الطائلة جراء التجارة لا بل المقامرة في هذه الأسهم نما هذا الاقتصاد الوهمي وأصبح تجارة ذات رأس مال ورقي هائل جدا بل تعدت لتصبح تجارة عابرة للقارات ، وصار حجم هذه التجارة الوهمية أضعاف حجم التجارة الفعلية وصارت تشكل حوالي 80% من حجم التجارة العالمية، ولا عجب عندما نعرف أن حجم التداول في بورصة نيويورك يصل إلى ما يقارب 300 مليار دولار يوميا .
وبسبب نظام الأسهم هذا فإن المضاربات بهذه الأسواق والرغبة في الربح السريع قد جعلت الأزمات الاقتصادية شبحا ما يلبث أن يغدو حتى يعود. وقد باتت أسواق المال في البلاد النامية مرتعا لمغامرات الرأسماليين الغربيين من المضاربين وليس عنا ببعيد ما حدث في دول شرق آسيا قبل حوالي عشر سنوات في عام 1997 عندما خسر الملايين مدخراتهم وسقطت قيم العملات سيما في ماليزيا وأندونيسيا بفعل إضطراب السوق المالي بعد مضاربات رجل الأعمال الأمريكي اليهودي سايروس وغيره في تلك الأسواق .
هذه هي طبيعة هذا النظام الذي يمثل ماكينةً بل مصنعاً منتجاً للأزمات بركائزه المدمرة من نقود ورقية إلزامية ونظام ربا ونظام الاسهم والشركات المساهمة ، ونظام هذا حاله لم يكن غريباً عليه أن ينتج الأزمة الرهيبة التي يعاني منها العالم اليوم ، أزمة ارتفاع الاسعار ، ولم يكن غريباً أن يصل العالم فيه الى حافة الهاوية فقد بلغ عدد الفقراء في العالم وفق احصائية البنك الدولي الى أكثر من مليارين أي ثلث العالم بل إن البعض قد أسمى عولمة هذا النظام بعولمة الـ80 : 20 أي تقسيم العالم إلى نحو 80% من الفقراء و20% من الأغنياء ، فأزمة اليوم هي حصيلة متراكمة لأزمات خلت نتجت عن هذا النظام العفن الذي اورث البشرية الدمار وأوردها موارد الهلاك .
أما الأسباب المباشرة للأزمة الحالية أزمة ارتفاع الأسعار ،فهو محل بحثنا في المحور التالي ، فأسباب الأزمة الحالية كثيرة ومتعددة ومتشعبة نجملها في الأسباب الهامة التالية :
أولا: إنخفاض سعر صرف الدولار
وكان العامل الرئيس في انخفاضه ما شهده الاقتصاد الأمريكي من أزمة الرهن العقاري والتي ألجأت كلاً من البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ووغيرها الى ضخ مليارات الدولارات لتعويض العجز الناتج عن تراجع أسعار العقارات في الأسواق الأمريكية التي انعكست على الإقتصاد العالمي ومنه الأوروبي حتى بلغ ما ضخت البنوك المركزية في أوروبا ما يقارب 150 مليار دولار ، مما جر الى خسائر فادحة لحقت بالبنوك الأمريكية وغيرها من البلدان التي كانت تستثمر في سوق العقارات الأمريكي وبضخ هذه الكمية الهائلة من الدولارات في الاسواق الامريكية والعالمية وجدت حالة من التضخم انعكست سلبياً على معظم اقتصاديات العالم ، وبانخفاض الدولار انخفضت القيمة الشرائية لمعظم عملات العالم بسبب اعتمادها على الدولار كغطاء لعملاتها الورقية مما رفع من قيمة السلع الاساسية بسبب حالة التضخم التي عمت هذه البلدان جملة واحدة ورفع من سعر بعض السلع الأخرى سيما تلك التي يتم استيرادها من دول الاتحاد الاوروبي والتي تجري معاملاتها التجارية باليورو فبانخفاض الدولار والعملات المحلية ارتفع اليورو فكان لارتفاعه اثراً كبيرا في ارتفاع اسعار البضائع المستوردة من الاتحاد الاوروبي .
وساعد في انخفاض الدولار عوامل أخرها منها ،
• العجز التجاري الأمريكي
حيث وصل العجز في الميزان التجاري الأمريكي مؤخراً الى 816 مليار دولار ويعود هذا العجر الى الفارق ما بين الصادرات والواردات فواردات الأسواق الأمريكية من سلع وبضائع وخدمات تزيد عن صادراتها الشيء الكثير مما سبب هذا العجز الهائل .
• ومما أدى الى إنخفاض الدولار أيضاً المديونية العامة الأمريكية الهائلة والتي بلغت 34 تريليون دولار أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.
• ومن هذه العوامل أيضاً ارتفاع اليورو: فمنذ أن تم صك اليورو، أصبح ثاني احتياطي عالمي بعد الدولار. وقد ورث اليورو هذه المكانة عن المارك الألماني، بل وزاد من مكانته، وكان ذلك على حساب الدولار, وهكذا أصبحت الثقة باليورو تزيد, وهي بالنسبة للدولار تنقص, وكل هذا أثر في الطلب على الدولار فانخفضت قيمته, وبسبب فقدان الدولار قيمته دفع بالعديد من المستثمرين لاعتماد اليورو في استثماراتهم بدل الدولار.
كل هذه العوامل أدت إلى انخفاض قيمة الدولار.
وقد أدى هذا الانخفاض إلى أن تعمد بعض البنوك المركزية لتخفيض مخزونها من الدولارات ويقول بول ماكل، وهو استراتيجي عملات في بنك «إتش إس بي سي» إن البنوك المركزية «أدركت منذ فترة أنها لا ترغب في زيادة مفرطة لما تمتلكه من دولارات. فقد انخفض إجمالي ممتلكات البنوك المركزية في أنحاء العالم الموجودة في صورة دولارات من 73 في المائة إلى 64 في المائة».
ثانيا: تقلبات الاسواق المالية والمضاربة على السلع الاساسية والاحتكار
جراء انخفاض قيمة الدولار وما أصاب الأسواق المالية من خسائر لحقت بالمستثمرين والمضاربين بالاوراق النقدية والأسهم والسندات التي تحمل قيماً وهمية أدى ذلك الى تحول العديد من المستثمرين والمضاربين الى المضاربة على المواد التي تحمل قيماً ذاتية ومنها السلع الأساسية كالحبوب وغيرها مما زاد من أسعارها بصورة مطردة جراء هذه المضاربات المجنونة ، وجراء هذه المضاربات وسعياً منهم لتحصيل أكبر ربح ممكن قام العديد من كبار التجار والدول المصدرة لبعض المواد الغذائية والسلع الاساسية باحتكارها طمعاً منهم بارتفاع الاسعار التي ما عادت تعرف الهبوط .
ثالثاً: ارتفاع سعر النفط ومشتقاته
وبسبب تقلبات الأسواق المالية أيضاً عمد المستثمرون والمضاربون الى المضاربة بأسعار النفط ومشتقاته ، فما يشهده العالم من ارتفاع حاد باسعار نفط ومشتقاته حتى بلغ سعر البرميل 120 دولاراً كان نتيجة المضاربات وليس بسبب زيادة الطلب وقلة العرض لذا صرح رئيس منظمة الدول المصدرة للنفط الاوبك مراراً وتكراراً بأن صادرات دول الأوبك تغطي بل وتزيد عن حاجة العالم وطلباته ، وبارتفاع اسعار النفط ترتفع اسعار كل شيء من مواصلات وكهرباء وسماد ومستلزمات المحاصيل زراعية التي تعتمد على الآلات الزراعية.
رابعا: استخدام المواد الغذائية لاستخراج الوقود الحيوي (الايثانول)
يعد استخدام مادة الإيثانول المستخرجة من الحبوب سيما حبوب الذرة والصويا والقصب وغيرها كوقود بديل بحسب تعبير جان زيغلر المقرر الخاص للأمم المتحدة للحق في الغذاء "جريمة ضد الإنسانية" ، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه على جعل 10 بالمئة من الوقود البري بحلول عام 2020 من الوقود الحيوي وهذا يستلزم زراعة أراض شاسعة لتلبية متطلبات هذا المشروع مما يجعل الزراعة تتحول من كونها مصدر للغذاء الى تحولها كمصدر للوقود . وقد أعلنت البرازيل عن نيتها زراعة قصب السكر على مساحة 270 الف دونم من الاراضي الزراعية يمكنها من انتاج 150 مليون ليتر من الوقود العضوي الذي سيخصص للسوق السويدية فقط، وهذا الاستخدام الجديد من شانه أن يلحق الضرر الفادح الذي لحق وسليحق في قابل الايام بالمنتجات والمحاصيل الغذائية .
خامساً:الأزمات السياسية والحروب
سيما تلك الأزمات التي تتعلق بالدول المصدرة للسلع الأساسية والنفط ، فالأزمة النووية الايرانية أثرت على ارتفاع اسعار النفط ومشتقاته وغزو العراق أثر من قبل على أسعار النفط وهكذا فبسبب تخوف المضاربين والمستثمرين في مجال النفط أو السلع الأساسية جراء الحروب والأزمات السياسية ترتفع اسعار السلع .
هذه هي أهم الأسباب والعوامل التي أدت الى ارتفاع اسعار السلع خاصة الاساسية منها في وقتنا الراهن ، وبالتدقيق في مجمل هذه الأسباب نرى بأنها جميعاً تعود الى سبب رئيس مهم وهو انخفاض سعر الدولار وما تعرض ويتعرض له الاقتصاد الأمريكي من أزمات ليس آخرها أزمة الرهن العقاري ، فبسبب انخفاض سعر الدولار ادى ذلك الى ارتفاع اسعار السلع الاساسية بصورة مباشرة وبسبب انخفاض سعر الدولار اندفع المضاربون للمضاربة على النفط والسلع الاساسية مما قاد الى الاحتكار وارتفاع الأسعار وبسبب انخفاض الدولار وارتفاع سعر النفط دفع ذلك العالم سيما الدول الصناعية للبحث عن بديل للنفط فكانت فكرة الوقود الحيوي التي ادت الى كارثة غذائية أصابت الدول الفقيرة بشكل مباشر وبسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة التي يمر فيها الاقتصاد الأمريكي وسعياً منها للتخلص من هذه الازمات تقدم أمريكا على حروبها ومغامراتها التي لا تخلف سوى الدمار وإهلاك الحرث والنسل وارتفاع الاسعار ، وهذا السبب الرئيس المسبب لهذه الأزمة يعود الى اعتماد عملات العالم للدولار كغطاء لها ويعود الى ركيزة أساسية في النظام الاقتصادي الرأسمالي وهو نظام الورق الإلزامي ، إن العالم اليوم بدوله، المتقدمة والمتخلفة ، الفقيرة منها والغنية، تعيش رهن تقلبات الاقتصاد الأمريكي وتدفع ثمن هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي من خزينتها ومنتجاتها وثرواتها بل من لقمة العيش ورغيف الخبز وحبة الأرز ، وكل هذا يظهر مدى ما خلفته قيادة أمريكا للعالم ومن ورائها تحكم النظام الاقتصادي الرأسمالي فيه من مصائب ونكبات أدت الى استعباد العالم واسترقاقه ليصبح جهده وماله وحتى لقمة عيشه ملكاً للأمريكي الذي يعيش خلف المحيطات دون أن يبذل ذاك الأمريكي أي جهد أو يتكبد أي عناء في نهبه لثروات وجهود البشر .
المحور الرابع : مخلفات هذه الأزمة
أما ما خلفته هذه الأزمة فقد تركت خلفها كارثة بشرية عمت لتطال كما ذكرنا آنفاً أكثر من مليارين من البشر تحت خط الفقر ، كما حذر البنك الدولي الشهر الماضي من أن تضاعف أسعار الأغذية خلال السنوات الثلاث الماضية يمكن أن يدفع بمائة مليون شخص في الدول النامية الأفقر إلى هاوية الفقر فكيف باستمرار ارتفاع هذه الاسعار وتضاعفها اضعافاً كثيرة ؟!
إن العالم اليوم-سيما الفقراء منهم وما أكثرهم- يعاني الشيء الكثير لأجل توفير رغيف خبز أو حبة أرز والمؤشرات جميعها تتجه الى أن هذه الأزمة برغم ضخامتها ربما لا يكون ما حدث حتى الآن هو ذروتها بل ربما يكون القادم أسوأ وللدلالة على حجم هذه الأزمة التي تكاد تصل الى الكارثة نذكر بأن سعر القمح ارتفع بمعدل 181% على مدى 36 شهراً الأخيرة و الأسعار العالمية للمواد الغذائية بنسبه 83%، كما تضاعفت أسعار الأرز 3 مرات في الثلث الأول من 2008 ، و المرجح أن تظل أعلى من مستوياتها في عام 2004 حتى نهاية عام 2015 بالنسبة لمعظم المحاصيل الغذائية . بل إن المعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية قد تنبأ بأن أسعار الحبوب أو المنتجات الغذائية الأخرى سوف ترتفع بما يتراوح بين 10 - 20% بحلول العام ،2015 إلا أن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) تتوقع نسباً أعلى لارتفاع الغذاء.
المحور الخامس : الحل
أمام هذه الأزمة الأقتصادية وأمام هذه الكارثة البشرية التي تتضر منها معظم دول العالم سيما الفقيرة والنامية منها يقف أرباب النظام الرأسمالي في مسعى ميؤوس منه للتغلب على هذه الأزمة-وأنى لهم ذلك وهم سببها- عبر وعودات كاذبة للمنظمات الدولية للتغذية بتزويدها بمئات الملايين من الدولارات وبزيادة اسهاماتها لجمعيات التغذية المنتشرة عبر العالم ، ومن عاش في ظل هذا النظام اياماً معدودة لا سنوات يدرك عقم هذا الحل وعدم جديته ، وليس ذلك غريباً على نظام كما أسلفنا وصفه وبيانه بأنه يسعى لتحصيل أكبر قسط من الربح المادي بعيداً عن أية قيمة انسانية أو خلقية .
هذا على صعيد محاولة هؤلاء حل جزء من المشكلة عالمياً أما على الصعيد المحلي وخاصة في بلاد المسلمين فما أقدمت عليه بعض الأنظمة من زيادة بعض الأجور أو دعم بعض السلع الأساسية أو تعويم عملاتها ليس من شأنه أن يحل هذه الأزمة فالأزمة كما ترون أزمة عالمية أكبر من أن تقوم أشباه الدول في بلادنا بحلها أو التغلب عليها ولو على الصعيد المحلي .
إن الحل الجذري الذي لا بديل عنه لمشكلة ارتفاع الاسعار ومشكلة الفقر لن يكون سوى بالتخلص من تحكم أمريكا ودولارها بالعالم ومن قبله من تحكم النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تعتبر الأزمات الإقتصادية أحد أهم ميزاته بل إنه هو الأزمة بعينها لذا وجب على البشر أن يتخلصوا من هذا النظام وأن يعتقوا رقابهم من سيطرته وتحكم أسسه الهدامة الفاسدة من نظام ورقي الزامي ونظام ربا ونظام الأسهم بهم وبإقتصادياتهم حتى يستطيعوا أن يعيشوا حياة كريمة بعيدة عن الأزمات فتطمأن نفوسهم وينشغلوا بسامي الأهداف بدل أن يبقوا منشغلين بتحصيل لقمة العيش ولا يحصلونها .
إن نظام الإسلام هو الكفيل وحده دون سواه لأن يخلص المسلمين لا بل البشرية من الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها ، كيف لا وهو الذي يضمن للفرد اشباع حاجاته الاساسية من مأكل ومسكن وملبس فردا فرداً إشباعاً تاماً وهو الذي بين أن المشكلة الاقتصادية تكمن في التوزيع لا في الانتاج وهو الذي جاء بجملة من الأحكام الشرعية التي تنظم هذا الشأن فتكتفل للفرد اشباع حاجاته الاساسية وبعض الكمالية ما أمكن الى ذلك من سبيل وتضمن توزيع الثروة على جميع الرعية دون تمييز، وهو الذي يلزم باتخاذ نظام المعدنين الذهب والفضة أساساً للنقد مما يجنب العالم أزمات الأوراق الإلزامية ، كما يحرم الربا أس البلوى في كثير من الأزمات، فالإسلام عبر تشريعاته هذه وعبر نظامه الإقتصادي الكامل هو الذي يحقق الإستقرار والحياة الكريمة للبشر ، وكيف لا يحقق ذلك وهو نظام رباني وضع من خالق الكون والانسان والحياة وهو الذي يعلم ما يصلح البشر ويقيم حياتهم على العدل والإنصاف وهو سبحانه اللطيف الخبير ولن يكون تطبيق هذا النظام الرباني إلا عبر دولة ، دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة .
إن من واجب كل مسلم ان يعي بأن مصير البشرية وخلاصها بات رهن تقدم الامة الاسلامية في مشروعها ألا وهو مشروع الخلافة الراشدة الثانية التي تحمل البديل الحضاري للأنظمة المتعفنة الفاسدة التي ما أورثت البشرية إلا الضياع والدمار والهلاك ، لذا وجب على الأمة أن تغذ السير نحو إقامة الخلافة فالأمة بل البشرية باتت بحاجة للخلافة أشد من حاجتها الى الماء والهواء ورغيف العيش كيف لا وها هي البشرية تفقد أسباب الحياة بدون وجود الخلافة ، فالخلافة وحدها هي أمل المسلمين بل العالم أجمع للخلاص من المستنقع والضنك الذي يحياه.
تصحيح مفهوم (لا يفتي قاعدٌ لمجاهد)
تصحيح مفهوم (لا يفتي قاعدٌ لمجاهد)
كثيراً ما نسمع بهذه المقولة أو كما يحلو للبعض أن يسميها بالقاعدة ، وتُسمع هذه المقولة في سياق رد اعتراض معترضٍ أو إنكار مُنكِرٍ لتصرفٍ غير شرعي أو تصريحٍ مخالف للشرع صدر عمن يقومون بالأعمال المادية- خاصة المسلحة منها- ضد المحتل ، ويحاول البعض أن يستشهد على هذه القاعدة بقول الله عزوجل (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ(، والحقيقة أن هذه المقولة تحمل في طياتها مفاهيم مغلوطة تخالف مفاهيم الإسلام ، والتذرعُ بها قد جرّأ البعض على ارتكاب المخالفات الشرعية ، ولبيان ذلك كان لا بد من توضيح الأمور التالية :
1. إن للمفتي شروطاً كأن يكون عالماً تقياً ورعاً ولا يوجد من العلماء من جعل القيام والتلبس بالجهاد -سواء في ظل دولة الخلافة أو في ظل الظرف الراهن الذي تحياه الأمة- شرطاً من شروط المفتي أو الفقيه أو العالم ، لذا كانت دلالة هذه المقولة في لفظها تحمل إضافة شرعية لم يقل بها أحد من قبل ولا دلت النصوص الشرعية عليها وعلى لزومها للمفتي أو الفقيه أو العالم.
2. إن ميزان الصحة والخطأ في التعامل مع الفتاوى يكون بحسب قوة الدليل بإعتباره راجحاً أو مرجوحاً ،كأن يكون ناسخاً أو منسوخاً ، عاماً أو خاصاً ، مطلقاً أو مقيداً وغير ذلك من الأسس التي يحكم من خلالها وفق طريقة الإسلام في الاجتهاد على قوة أو ضعف الحكم المستنبط من الادلة الشرعية ، والمقولة آنفة الذكر تؤصّل لاعتبار مصدر الفتوى -كأن يكون المفتي مجاهداً- هو دليل رجحلان ، وبعبارة أخرى تجعل هذه المقولة الحق دائراً مع الرجال لا أن يكون الرجال تبعاً للحق حيثما كان.
3. الاستدلال بالآية القرآنية الكريمة (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ( استدلال في غير محله ولا يصلح دليلا على هذه المسألة وذلك لأن الآية الكريمة تقارن بين حالين وظرفين تلبس بهما أقوام لفعل واحد وهو الجهاد في سبيل الله حال كونه فرض كفاية ، فمنهم من خرج للجهاد وحقق فرض الكفاية ومنهم من قعد وقام بالصالحات واكتفى بقيام غيره بالفرض ، وقيل إن سبب نزول هذه الآية كان فيمن خرج لبدر ومن بقي في المدينة فحاز المجاهدون فضل بدر وكانوا أفضل درجة ممن لم يشهد هذه الغزوة ، فالله جل وعلا فضل المجاهدين على القاعدين الاصحاء بسبب قيامهم بهذا الواجب دون غيرهم وكلا وعد الله الحسنى وتكملة الآية تبين ذلك بوضوح (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) ، ومن ثم يلاحظ على من يستدل بهذه الآية على المقولة المذكورة استخدامه لوصف القاعدين في سياق الذم والمعصية مع أن الآية تتحدث كما ذكرنا عن أقوام لم يقترفوا إثماً أو معصية بل هم لم يقوموا بفرض كفاية قام به آخرون فسقط عنهم الواجب والله سبحانه كما يظهر في الآية قد وعدهم الحسنى وهذا يتنافى مع الذم أو المعصية. وعلى ذلك يظهر خطأ الاستدلال بهذه الآية على المقولة المذكورة إذ أن الآية لا تذكر العالم أو الفقيه او المفتي ولا تقارن بين فعل الجهاد والافتاء على الاطلاق ، كما يظهر خطأ استخدام وصف القاعدين فيها في محل الذم والمعصية وكل قول غير هذا هو تحميل للنصوص ما لا تحتمل .
4. إن من يستدل بهذه المقولة يحاول أن يضفي صفة الجهل وعدم جدارة القاعد بالحكم والإفتاء وإنكار المنكر على من كان قائماً بالجهاد حتى وإن هذا الأخير جاهلاً بالأحكام الشرعية، والحقيقة أن العالم بالحكم الشرعي هو من أبصر الحق سواء أعمل به أم لا ، وليس في ذلك حض على التقصير في العمل ولكنه إثبات أن أعلم الناس هو أبصرهم بالحق سواء أكان مقصراً أم قائماً بالواجبات ، وسلوكه لا ينقص من علمه وبصيرته شيئاً ، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن مسعود ، قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تدري أي الناس أعلم) قال قلت: الله ورسول أعلم. قال: (أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على استه) .
5. إن القائلين بهذه المقولة يعطون انفسهم صلاحية الحكم على الجهات والافراد بانهم قاعدون-بمعنى الذم- أو مجاهدون ومن مشاهدة ومتابعة احكامهم هذه نرى بانهم لا يملكون ميزاناً دقيقاً للحكم على الجهات والأفراد بانهم قاعدون أو مجاهدون بل إن الأمر لديهم كثيراً ما يخضع لرغباتهم واهوائهم وهم غالباً ما يعتبرون أنفسهم دون سواهم مجاهدين وبقية المسلمين قاعدون عن الجهاد وعما يغير حال الأمة ، وهم يرون في عملهم فحسب الخلاص لما تعيشه الأمة ، فالعاملون لنهضة الامة عبر الطريق السياسي المقتدين في ذلك بخطى الرسول صلى الله عليه وسلم هم في نظر أصحاب هذه المقولة والمروجين لها قاعدون عن الجهاد وعن التغيير مع أن هؤلاء هم من يسعون لتغيير حال الأمة وهم من يؤسسون لفرض الجهاد الحقيقي ويسعون لبناء القاعدة التي تنطلق منها جحافل المسلمين لتحرر كل أرض مغتصبة وتنشر الخير والهدى الى ربوع الدنيا . وعليه فأصحاب هذه الدعوة يمهدون لأنفسهم نهجاً قائماً على عدم قبول النقد أو النصيحة او المحاسبة أو انكار المنكر من الغير بحجة أنهم قاعدون ، ولا يخفى على أحد حجم الخطأ والضرر الذي ينطوي على هذا الفهم بل قل إن الوقوع في المعصية-بناءاً على هذا الفهم-يصبح أمراً مستساغاً بل ويُنبرى للدفاع عنه .
6. إن الله عزوجل حينما تكلم عن الجهاد وطلب النفير له أمر أن يبقى من المسلمين من يتعلم أحكام دينه ويفقهها لكي يتمكن من تعليم إخوانه حال عودتهم من الغزو وفي ذلك إشارة الى أهمية تعلم الاحكام الشرعية وعدم قبول التذرع بالخروج الى الجهاد لأجل التساهل أو ترك تعلم الأجكام الشرعية اللازمة للمسلم في حياته ، وهذا يشير أيضاً الى ان من أراد القيام بالجهاد بصورته الفردية أو الجماعية لا بد له من ان يكون على اطلاع ومعرفة بالاحكام الشرعية وبالتالي أن يتعلم هذه الاحكام ليكون جهاده على بينة وبصيرة ، يقول الحق سبحانه (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وفي ذلك بيان لضرورة تلازم العلم بالاحكام الشرعية و الجهاد بل إن الجهاد لا يصح ان يقام به الا بعد معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة به وهذا يجعل التفقه بهذا الاحكام شرطاً مسبقاً للقيام بهذا الفرض وهذا ينفي أن يخضع الفقه بالاحكام الشرعية والجهاد للمفاضلة والمقارنة .
7. إن واجب كل مسلم أن يتقيد بالحكم الشرعي في كل تصرفاته وأن يكون خاضعاً منقاداً لشرع الله قابلاً للنقد والنصيحة والتقويم لا تأخذه العزة بالأثم ولا يصر على الخطأ والمعصية.
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
نظرة في الأزمات السياسية
نظرة في الأزمات السياسية
الأزمة لغة تعني الشدة وجمعها أزمات أو إزم جاء في اللسان (الأزم الجَدْبُ والمَحْل ابن سيده الأَزْمة الشدّة والقَحْط وجمعها إِزَمٌ كبَدْرةٍ وبِدَر وأَزْمٌ كتَمْرةٍ وتَمْر ... وفي الحديث اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي قال الأَزْمَة السَّنة المُجْدِبة يقال إِن الشدَّة إِذا تَتابَعت انفرجت وإِذا تَوالَتْ تَوَلَّت وفي حديث مجاهد أَن قُرَيْشاً أَصابَتْهم أَزْمةٌ شديدةٌ وكان أَبو طالب ذا عيالٍ) و (الازمات بالتاء جمع أزمة).
والأزمة في اصطلاح علماء الادارة-مع وجود اختلاف بينهم في تعريفها الدقيق- تعرف بأنها نقطة تحول مدركة في العلاقات بين فاعلين أو بين فاعلين وبيئتهم وعرفها بعضهم بأنها حالة من عدم الاستقرار تنبئ بحدوث تغيير حاسم وشيك قد تكون نواتجه غير مرغوبة بدرجة عالية أو هى عبارة عن مشكلة معقدة يبدو أن حلها أمر شبه مستحيل بالطرق التقليدية ، فأزمة الصواريخ الكوبية سابقاً كانت نقطة تحول محتملة في العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فنصب الصواريخ "الهجومية" في كوبا كان ينذر بتغيير كل من الميزان الاستراتيجي العالمي مما يقود الى تغيرات حاسمة أو يعقد المشكلة ليصبح حلها بالطرق التقليدية غير ممكن. وأزمة الرهن العقاري الاقتصادية الحالية التي شهدها الاقتصاد الامريكي وامتدت آثارها السلبية لتعم معظم دول العالم تعتبر أزمة اذ أن انفجار فقاعة الرهن العقاري كان نقطة تحول في سعر صرف الدولار واسعار النفط والذهب ولا يبدو في الأفق أية ارهاصات حقيقية تنبأ بانفراج هذه الأزمة مما يجعل حل هذه الأزمة بالطرق التقليدية (عبر ضخ الدولارات من قبل البنوك المركزية وتدخل الدول في خفض سعر الفائدة) أمراً في غاية الصعوبة وينذر بتغييرات وشيكة واضطراب في الاقتصاد العالمي . وأزمة الدرع الصاروخي اليوم بين روسيا وحلف الناتو(أمريكا) هي أحد الازمات المعاصرة كذلك . وبالمجمل يمكن النظر إلى القضايا الناجمة عن تدهور العلاقات الدولية بين الدول الفاعلة على أنها أزمات بالمعنى المشار إليه أعلاه.
كما أن الأزمات يمكن أن تكون أزمات في مجالات متعددة كالازمات البيئية كأزمة تدمير طبقة الأوزون .والأزمات يمكن أن تحصل على المستوى الفردي وعلى مستوى الجماعات والشركات والمنظومات المختلفة ويمكن أن تحصل على صعيد الدول .
والأزمة تختلف في اصطلاح علماء الإدارة عن المشكلة وإن كان كل أزمة مشكلة لكن ليس كل مشكلة أزمة فالمشكلة هي اشكالية قابلة للحل بالحلول التقليدية سواء أكانت هذه المشكلة كبيرة أم صغيرة فالمشكلة الصغيرة ربما تتعقد وتصل الى طريق مسدود فتتحول الى أزمة بينما المشكلة الكبيرة ربما تحل بأبسط الحلول وأقل التكاليف فتكون مجرد مشكلة عادية .وتختلف الأزمة والمشكلة عن الكارثة اذ تعرف الكارثة بأنها مشكلة ولكنها فى غالب الأحيان لا تكون من صنع البشر، كالزلازل والبراكين والفيضانات المدمرة والاعاصير الكاسحة.. إلخ .
وحديثنا عن الأزمات السياسية يأتي لأهمية هذه الأزمات على الصعيد الدولي والمحلي ، أما على الصعيد الدولي فالأزمات السياسية تغير من مسارات الدول في تعاملها مع القضايا المتعددة وتؤثر عليها بصورة مباشرة إما إيجاباً أو سلباً حسب موقع هذه الدولة من الأزمة ، ومن ثم نجد في كثير من الأحيان أن معظم الأزمات الدولية غير السياسية تكون رجعاً او أثراً ناتجاً عن أزمة سياسية ما ، فالأزمات الإقتصادية في غالب الأحيان تكون أثراً ورجعاً طبيعياً للأزمات السياسية وقل مثل ذلك في الأزمات السكانية والديمغرافية أو الجغرافية ، فالسياسة اليوم هي عماد الدول القائمة وهي التي تتحكم في تصرفات الدول في كل المجالات ولم يعد هناك مجال اقتصادي صرف بل هناك اقتصاد سياسي ولم تعد هناك اتفاقيات بيئية دون أن تتحكم فيها التجاذبات السياسية ولم تعد هناك قضايا سكانية أو ديمغرافية دون ان ترتبط بتوجهات الدول المؤثرة سياسياً ومخططاتها للمنطقة التي تعيش الأزمة ولم تعد هناك مشاكل أميّة أو تأخر علمي دون أن يكون ذلك سياسة مرسومة من قبل الدول الاستعمارية للمنطقة صاحبة الأزمة ، وقل مثل ذلك في مجمل الأزمات الدولية .
أما على الصعيد الداخلي فالارتباط بين السياسة الداخلية والخارجية لدول اليوم أصبح ارتباطاً وثيقاً مما يؤدي الى انعكاس الأزمات السياسية التي غالباً ما تطرأ جراء سوء أو ضعف السياسة الخارجية وتأثر الوضع الداخلي بهذه الأزمات ، وعلاوة على ذلك فإن ارتباط بلدان العالم الثالث عبر حكامها بالتبعية للدول الاستعمارية يجعل الأزمات السياسية تؤثر بصورة مباشرة على الوضع الداخلي ، خاصة أن الدول الاستعمارية قد تمادت في غيها حتى تدخلت في أدق التفاصيل لهذه الدول التي غالباً ما تفيض فيها الأزمات بصنع هؤلاء لتشكل كابوساً لأهل هذه البلدان .
وتاريخ الأزمات السياسية يعود الى بداية نشوء الدول ، أي الى بداية تكوّن المجتمعات البشرية ، حيث لا ينفك وجود صراع بين المنظومات البشرية ، سواء بشكلها اليوم أو حتى بشكلها القديم القبلي ، فوجود الصراع أمر حتمي مهما كانت اسبابه ، سواء أكانت أسباباً معيشية كالنزاعات حول مصادر الغذاء ، أو كانت اسباباً مبدئية عقدية .
أما كيفية تكوّن هذه الأزمات فربما تتكون الأزمات بتصادم طبيعي بين قوى فاعلة في قضية ما دون تخطيط مسبق وربما تكون الأزمة مختلقة لتحقيق أهداف وغايات مقصودة من اختلاق هذه الأزمة .
والدول الفاعلة تسعى لتحقيق أهدافها المتعلقة بدول أخرى-غالباً- عبر اختلاق أزمة ما لتلك الدول لتستطيع من خلال هذه الأزمة أن تَنفذ الى ما كان محظوراً عليها أو ان تُنفذ مخططاً ينتظر ظرفاً ملائماً فكانت هذه الأزمة المختلقة سبباً لتنفيذه .
ومن الأمثلة القديمة التي تدل على ذلك ما قام به الرسول الأكرم عندما عزم على أداء مناسك العمرة في السنة السادسة للهجرة ، فهذا العمل منه كان عملاً سياسياً مقصوداً غرضه اختلاق أزمة لقريش ليصل الرسول الأكرم الى مبتغاه من هذه الخطة السياسية وهو عقد صلح مع قريش يكون ممهداً لفتح مكة والقضاء على حلفاء متوقعين ليهود ليجهز على كيانهم في خيبر وهكذا كان ، فعقب تحرك الرسول لأداء مناسك العمرة وقعت قريش في حيرة من أمرها وأصبح أمر أدائه لمناسك العمرة قد يسفر عن نتائج غير مرغوب فيها وأصبح حل هذه المشكلة عسيراً على قريش فتعقدت المشكلة وأصبحت تمثل لها أزمة حقيقية فإن هي سمحت للرسول ومن معه بأداء مناسك العمرة كان ذلك-في ذاك الظرف المخصوص- كسراً لإرادتها وحطاً من شأنها بين العرب وإن هي منعته من أداء مناسك العمرة كان ذلك مشيناً ومهيناً لها بين قبائل العرب بل إن الأمر قد يجر الى حرب مع الرسول وصحابته لم تكن قريش قد تهيأت وتأهبت لها ، فكل الخيارات كانت تمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لقريش وقد أعياها الأمر حتى أرسلت من ارسلت من رسلها ليهتدوا الى حلٍ مرضٍ لها ومخرج لها من هذا المأزق فكان ما كان من عرض قريش على الرسول الأكرم صلح الحديبية وهو في الحقيقة كان مبتغى الرسول عليه السلام ولكنه عليه السلام بحنكته وقدرته السياسية قاد قريشاً الى هذا الصلح كرهاً دون ان تعلم قريش أن هذا مبتغاه عبر اختلاقه لهذه الأزمة .
ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك ما أختلقته أمريكا من أزمة البوسنة والهرسك قبل سنين وتبعها حديثاًً أزمة كوسوفا ومنحها الاستقلال عن صربيا وما ذالك إلا لتحقيق مآربها بزرع دول موالية لها في قلب أوروبا الشرقية لتكون أداة ضغط لها على أوروبا ولكي تسلب ما تبقى لروسيا من مجالها الحيوي ، ومن الأمثلة كذلك أزمة دارفور حيث اختلقت اوروبا هذه الأزمة مستغلة سوء رعاية الدولة في السودان لأهل دارفور وكانت قد زرعت عبر التنظيمات الموالية لها بذور الحقد والطائفية بين قبائل العرب والأفارقة في دارفور وبسبب انشغال أمريكا الطرف الدولي الآخر والفاعل في السودان بمسألة فصل الجنوب عمدت أوروبا مستغلة الظرف بتفعيل هذه القضية سعياً منها لتنال قسطاً من كعكة السودان ولتعوض خسارتها السياسية في قضية فصل الجنوب ، ومن الأمثلة على ذلك الأزمة النووية الإيرانية وهذه الأزمة مثال على محاولة الدول استغلال ازمات اختلقها غيرها فالأزمة النووية الإيرانية هي في الأصل صناعة أمريكية قصدت منها أمريكا ابقاء إيران قوة عسكرية تخيف بها دول الخليج باسم الخطر الإيراني النووي لتبقى أمريكا جاثمة في المنطقة تحت مبرر حمايتها من الخطر الإيراني أو ما يسموه بالخطر الشيعي والحقيقة أن هذه الأزمة مختلقة ومصطنعة بامتياز فأمريكا هي من اختلقت هذه الأزمة وهي لن تقوم بعمل يزعزع كيان ايران ولن تسمح لأحد بأن يهدد نظام الحكم فيها لا شيء سوى لأن هذا النظام يسير في الخفاء دون العلن في ركابها، وبموازاة هذا المخطط عمدت اوروبا الى استغلال هذه الأزمة علّها أن تستطيع الحاق الضرر الحقيقي في نظام الحكم في ايران ليكون ذلك مدخلاً لها لتحقيق مآربها ومخططاتها للمنطقة ولتخفف من وطأة الضغط الأمريكي المتذرع بالخطر الايراني عن بعض عملائها في الخليج .
هذه أمثلة متعددة عن بعض الأزمات وجدير بالذكر أن مقياس الأعمال المنبثق عن وجهة النظر في الحياة لدى الدول هو ما يحكم صناعة الأزمات ، فالغرب بإعتناقه المبدأ الرأسمالي لا يرى أي ضير في إختلاق أية أزمة وعلى أي صعيد كانت فهمّه الأول هو تحقيق مصالحه وأهدافه ولا يقيم وزناً لأي شيء آخر والأمثلة السابقة عن الأزمات التي اختلقتها امريكا واوروبا تؤكد ذلك فهو لا يكترث بحياة البشر ولا يقيم لها وزناً على الإطلاق علاوة على أنه لا يفكر بتوفير الطمأنينة والسعادة للبشرية وما فعله ويفعله الآن في معظم دول أفريقيا من اختلاق الأزمات الواحدة تلو الأخرى في خضم صراع الإرادات والهمينة على المنطقة وما حصدته هذه الأزمات من ملايين الأرواح واهلكت الحرث والنسل شاهد آخر يدل على ذلك ، وقل مثل ذلك في أزمات العالم المختلفة التي غالباً ما تكون صناعة غربية بامتياز حتى إن الغرب ما عاد يأبه حتى بالأزمات البيئية اذا تضاربت مع مصالحة وموقف أمريكا من قضية الانحباس الحراري والتلوث البيئي خير شاهد على ذلك ، ويعود عدم الاكثراث هذا بحياة البشرية الى وجهة نظره الى الحياة الأ وهي النفعية ، فمقياس أعماله هي المصلحة فما حقق له هذه المصلحة كان فعلاً مستحسناً وما ضرها كان فعلاً مستقبحاً .ووجهة النظر هذه قد أفقدت الغرب ومبدأه الرأسمالي متطلبات القيادة والريادة للبشرية فأتباع هذا المبدأ يفتقدون حس المسؤولية عن الغير بل إنهم احد أهم اسباب شقاء البشر وأحد أهم عوامل دمار العالم إن لم يكونوا السبب الوحيد .
أما المسلمون فمبدؤهم جاء لخلاص البشرية مما تعانيه وجاء بالمعالجات الشاملة لكل مناحي الحياة ، معالجات يعيش معها المرء في حالة من الاستقرار والطمأنينة الحقة لذا كان مبدأ الاسلام مبدأ رحمة وهدى للبشرية ولم يأت الاسلام لدمار البشرية أو نهب خيراتها ، لذا فصناعة الأزمات لدى دولة الخلافة تكون مقيدة بهذا الخط العريض ولا تتجاوزه فلا تعمد الخلافة الى ايجاد الفتن الداخلية أو إثارة النعرات العصبية والقبلية في قطر ما بغية اضعافه وفتحه لاحقاً ولا تعمد الخلافة الى استخدام الأسلحة الفتاكة كالاسلحة النووية والكيميائية في إن لم يستخدمها العدو ، فالخلافة تسعى الى انقاذ البشرية لا الى تدميرها .
إن عالمية الخلافة حال قيامها يقتضي منها الوعي على جميع الأزمات التي يكون المسلمون طرفاً فيها ويقتضي وضع تصورات قائمة على اساس المبدأ لعلاج هذه الأزمات ، بل وتقتضي عالمية الخلافة أن تتوقع الخلافة أية أزمة قبل حدوثها وأن تضع الحلول المسبقة لمثل هذه الأزمات المتوقعة وكيفية التعامل معها لا بل تقتضي عالمية الخلافة أن ترسم الخلافة الخطط السياسية لإيجاد الأزمات السياسية للدول المحاربة لتتمكن من تنفيذ مخططاتها الرامية الى كسر الحواجز المادية بفتح البلدان ونشر الإسلام للبشرية جمعاء لتنعم البشرية في ظل الخلافة والإسلام بحياة تخلصها من ضنك العيش الذي تحياه في ظل جور الأنظمة الوضعية من رأسمالية واشتراكية .
إن على المسلمين أن يدركوا أن مصير العالم اليوم رهن تحركهم للتغيير وسعيهم لإقامة الخلافة ، فهم وحدهم دون سواهم أصحاب بديل حضاري قادر على استبدال الظلم والجور عدلاً وعلى تبديد الظلام بنور الإسلام لذا حري بخير أمة أخرجت للناس أن تغذي السير نحو إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوية لتَسعد بها وتُسعد بها البشرية جمعاء.