فعاليات رجب تجوب القارات وتؤكد عالمية مشروع الخلافة


على مدى شهر كامل ويزيد ملأت فعاليات ونشاطات حزب التحرير في ذكرى هدم الخلافة في الثامن والعشرين من رجب عام 1342هـ والموافق للثالث من آذار لعام 1924م الرامية إلى استنهاض همم الأمة وإيقاظ عزائمها للعمل مع العاملين الجادين الساعين لإقامة الخلافة الراشدة الثانية، ملأت سمع الدنيا وبصرها برغم التكتيم والحصار الإعلامي الذي لا زال أعداء الخلافة يضربونه حولها وحول نشاطاتها وفعالياتها،

لقد امتدت نشاطات وفعاليات الحزب إلى القارات الستة ففي فلسطين كانت شرارة العمل وبداية الفعاليات التي لازالت تجوب مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة من أقصاها إلى أقصاها وبرغم محاولات التشويش والتعطيل التي انتهجتها السلطة في محاولة عرقلة هذه النشاطات إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، حتى في مؤتمر رام الله الذي استطاعت السلطة فيه الاستيلاء على مكان انعقاد المؤتمر وتحويله إلى ثكنة عسكرية وإقامة حواجز مكثفة على مداخل كافة المدن الفلسطينية كان هذا المنع ذا أثر عكسي فلقد علا صوت الخلافة من رام الله ووصل صداه إلى كافة بلدان العالم، فما شهده منع المؤتمر من تغطية إعلامية فاق ما يمكن أن يكون لو عقد المؤتمر بوضعه الطبيعي، وتواصلت فعاليات الذكرى في فلسطين من محاضرات ولقاءات ودروس وعرض أفلام وثائقية وتكللت بمؤتمر حاشد في غزة امتاز بأسلوبه ومادته وحضوره، فصرخة للأمة الإسلامية وأهل القوة والمنعة فيها من قلب المسجد الأقصى الأسير حيث كانت بداية هذه الدعوة وانطلاقتها،

ثم توالت فعاليات الذكرى في السودان ومهرجانه الخطابي الحاشد فلبنان ومؤتمره (الجهاد في الإسلام: أحكام راقية، تاريخ مشرق، حاضر يرنو إليه) حيث كان تنزيل أحكام الجهاد على واقعها وبيان فلسفة الجهاد الحقيقية -والتي شوهها المضللون- من أنه سبيل إنقاذ للبشرية لا مجرد حروب طاحنة استعمارية لا همّ لها سوى سفك الدماء ونهب خيرات الأمم كما تفعل الدول الرأسمالية اليوم، وكيف أن المسلمين يقدمون أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل إخراج الناس من عتمة الضلال إلى نور الهدى،

ومؤتمرات في لندن وأوكرانيا في بلاد القرم وآخر في أمريكا بعنوان(سقوط الرأسمالية وصعود الإسلام) والذي حمل رسالة معنوية بانعقاده في كبرى البلدان الرأسمالية فكان هذا الصوت علامة الخير ببزوغ الإسلام بحق وسقوط ما سواه فما عادت الرأسمالية تخدع أحداً، حتى أولئك الذين رحلوا من ديارهم إلى بلاد الغرب قد أدركوا ضرورة العمل للخلافة من بعد ما بان لهم زيف الرأسمالية وضلالها،
ومؤتمر في تنزانيا وندوة في جزر موريشيوس الواقعة بين جزر القمر ومدغشقر، تلك البلدان النائية التي وصلتها دعوة الخلافة في دلالة لا تخفى على مبصر من أن دعوة الخلافة باتت تنتشر أينما حل المسلمون وارتحلوا، قلةً كانوا أم كثرة، في وسط المحيطات أم في الأقطاب المثلجة أم في الأدغال، فدعوة الخلافة باتت ملتصقة بالمسلمين لا انفكاك لهم عنها،

وقلب هذه الفعاليات وذروتها كان مؤتمر العلماء في اندونيسيا الذي ضم أكثر من سبعة ألاف عالم من شتى أقطار المعمورة والآلاف من حملة الشهادات الشرعية والمختصين، في مؤتمر فريد لم يسبق له الحزبَ أحدٌ من الهيئات أو الدول التي تشتري ذمم علماء السلاطين ليفتوا لهم وفق مقاسات ومقاييس ترضي نزواتهم وأسيادهم، مؤتمر تواثق فيه علماء الأمة الحقيقيون الذين آثروا قول الحق والصدع به على نعيم الدنيا الزائل وعلى قصور السلاطين وفرشهم الوثيرة فاجتمعوا وأجمعوا على ضرورة العمل للخلافة وعلى ضرورة أن يأخذ العلماء دورهم وأن يساهموا بسهم عظيم في إقامة صرح الدولة الإسلامية،

ومؤتمر في كندا وآخر في استراليا وآخر في بنغلادش ومسيرات في باكستان وقمع واعتقالات مسعورة لمنع مؤتمر تركيا في اسلامبول حيث توقفت عقارب الزمن هناك بالنسبة للأمة الإسلامية بتوقف الخلافة فيها،
إن عموم وانتشار فعاليات ذكرى رجب الأليمة، ذكرى هدم الخلافة، تزداد عاماً بعد عام وتأخذ بالاتساع أفقيا وعموديا،كمّا ونوعاً، وبالرغم من التكتيم الإعلامي الذي تعاني منه دعوة وفكرة الخلافة إلا أن الأمة والعالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه قد شعر وأحس وعاش الكثير من هذه الفعاليات،

إن من يمعن النظر في هذه الفعاليات والنشاطات واتساعها وشمولها وتنوعها يدرك الأمور التالية :
1. إن إعادة الخلافة باتت محل تطلع المسلمين، فلم يعد مشروع الخلافة ضميراً غائباً عنهم برغم محاولة وسائل الإعلام طمسه بطمس الأخبار والفعاليات التي تتصل به ولم يعد دعاته مستترون بل إن الأمة باتت تتطلع بشوق وحرقة إلى إقامة الخلافة التي ستقيم الدين وتطبق الشريعة وتوحد المسلمين، وما جموع المسلمين التي خرجت أحياءً لهذه الذكرى الأليمة في فلسطين واليمن ولبنان واندونيسيا والسودان والجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا وكندا سوى شاهد على مدى تغلغل مشروع الخلافة لأعماق أعماق المسلمين ولو خلّت أنظمة الطغيان والجبروت بين الأمة والتعبير عن رأيها وتوجهها السياسي لرأيتَ الجموع الغفيرة تجتاح حواضر بلاد المسلمين تلهج ألسنتهم بالخلافة ودولة الإسلام، كما أن الأمة قد فقدت ثقتها بحكامها والطبقات السياسية التي تحيط بهم والتي مردت على التبعية الغربية وتغذت على أطباق واشنطن ولندن وباتت تتطلع إلى طليعتها الرائدة التي أخذت على عاتقها العمل لإعزازها والأخذ بيدها نحو السيادة وعلو مكانتها بين الأمم.

2. عالمية مشروع الخلافة، فامتداد تلك الفعاليات والنشاطات لتعم بلاد المسلمين والجاليات المسلمة في بلاد الغرب ولتعم الأسود والأبيض والعربي والعجمي لهو برهان على أن هذه الدعوة تحمل مشروعاً عالمياً لم تحدّه حدود وهمية أو قوميات ضيقة أو وطنيات منحطة بل تخطت دعوة الخلافة الحدود والسدود وباتت أمل البشرية لا المسلمين فحسب في الخلاص مما تعانيه جراء تحكم الرأسمالية فيها، فكما سادت دولة كبرى كأمريكا في العالم فعاثت فيه فساداً وقتلاً وتدميراً ونهباً للخيرات والأموال فسيكون بمقدور الخلافة وحدها أن تعيد الأمور إلى نصابها فتعيد العدل وترفع الضيم والجور وتكون ملاذاً للخائفين ومأوى للفقراء والمساكين والمظلومين في كافة أقطار المعمورة، فالخلافة مشروع حضاري عالمي ينبع من تبني الأمة له ومن عملها على تجسيده في واقع الحياة ثم حمله للأمم والشعوب الأخرى حيث سيعم الخير والطمأنينة البشر.

3. دعوة فريدة لا منافس لها، لقد انفردت دعوة الخلافة في عصرنا الراهن بصفة العالمية في الطرح، فكلٌ من الأحزاب والجماعات المنتشرة في بلدان العالم الإسلامي والغربي باتت صاحبة مشاريع وطنية محلية أو إقليمية محدودة فلا تجد على وجه البسيطة اليوم، دون أدنى مبالغة، سوى دعوة الخلافة تطرح حلاً لمشاكل العالم ويسعى الساعون لها لتكون ملاذاً للعالمين الذين اكتووا بنار الحضارة الغربية، فلم يعد بين البشر اليوم مشروع ينافس مشروع الخلافة كمشروع حضاري عالمي.

4. إن تجاوب المسلمين مع هذه الدعوة في تزايد واطراد وهذا يدحض أقوال بعض المغرضين الذين يحاولون أن يوهموا العامة بأن الخلافة في واد والناس في واد آخر بل إن الأمة ودعوة الخلافة على قلب رجل واحد وسيأتي اليوم الذي ترى فيه أبناء الأمة الإسلامية قاطبة من جاكرتا إلى طنجة متكاتفين في الدفاع عن الخلافة حال قيامها قريباً بإذن الله وما ذلك إلا لأن دعوة الخلافة وتطبيق الإسلام في شتى مناحي الحياة هو التجسيد العملي لمفاهيم الأعماق التي تسكن أفئدة الأمة والتي عجز الغرب عن اقتلاعها بشتى الأساليب والوسائل الشيطانية .

5. إن دعوة هذا شأنها وأبناء خير الأمم هم جندها وإنقاذ البشرية هي غايتها ومن وحي السماء نهجها وفكرها لهي حتماً ستنتصر وتظهر، ستنتصر إحقاقاً للحق وزهقاً للباطل، إقامةً للعدل وهدماً للظلم والطغيان، ستنتصر تحقيقاً لوعد الله بالنصر والتمكين للمؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) وتحقيقاً لبشرى نبيه الكريم (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) فالخلافة هي قدر البشرية القادم والرحمة المزجاة لهم، وهي من سيعيد للبشرية سجيتها الإنسانية وفطرتها السليمة وطباعها الطيبة من بعد ما اغتالتها شياطين الرأسمالية، ، (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا).

نعم يا عبيدات الخلافة حق وحقيقة ولا يُضيرها ضعف الأفهام

ما الذي يضير الأستاذ راسم عبيدات أن تكون الخلافة حقيقة أو واقع ؟ وما الذي يزعجه في سماع أو قراءة ما يبشر بعودتها من جديد، وما يسلط الضوء عليها وعلى مفاصل هامة تعيشها الأمة مما يحاول البعض إخفاءها أو طمرها ؟

هل دفعته موضوعية البحث والنزاهة الفكرية ليتناول مقالتي (الخلافة حقيقة وليست خيالاً يداعب الأحلام) –وخيالاً بالنصب لا بالرفع كما كتبها عبيدات- دون أن يأتي على ذكر الدعائم التي نصبّتُها شواهد على قولي ؟ أم هي القراءة (العميقة!!) للواقع الذي يخشى الأستاذ عبيدات أن يتفحّصه عامة المسلمين فيلامسوا صدق التحول الحاصل في الأمة فيطيش سهمه ؟! وهل يخفى على الأستاذ عبيدات كيف تتحول الأمم من حال إلى حال حتى يحكم بسرمدية حال الأمة الراهن ؟ أم أن مقياسه لتحول فكر الأمة قد تعطل فلم يعد يدرك فارقاً بين القومية والاشتراكية اللتين كانت الأمة في خمسينات وستينات القرن الفائت تلهج ألسنتها بذكرهما والتعلق بهما وبين تعلق الأمة اليوم بفكرة الخلافة وتطلعها إلى عودتها من جديد ، بل وتطلع من اكتوى بنار الرأسمالية حتى من الغرب لاستعادة الإسلام مبدأً مطبقاً في أرض الواقع ؟! وهل قرأ الأستاذ عبيدات التاريخ بتمعن ووقف على مفاصله على الأقل فيما يتصل بالأمة الإسلامية (لا العربية بحسب تسميته) ؟! وهل وقف ملياً على بشرى الرسول لأصحابه بفتح مصر والشام في وقت لم يكن يأمن فيه أحدهم أن يقضي حاجته ؟ أم أنه عدّ تلك البشارات أمانيّ وهيماناً في الأوهام والفرضيات ؟ وماذا وصف تحققها في أرض الواقع ؟ هل هي (الصدفة!!) و(العبثية المادية) التي تسود الكون؟! أم هي ثمرة عمل وجهد مضنٍ بذله الرسول وصحبه بسيرهم في طريق الصراع الفكري والكفاح السياسي في مكة حتى أقاموا دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة التي سادت الجزيرة في بضع سنين بل وامتدت لاحقا لتشمل أصقاع المعمورة ؟

ثم ما الذي يدفع الأستاذ عبيدات ليستغرب من قدرة حزب التحرير -الذي يعمل في أوساط الأمة ويمتلك وضوحاً للرؤية ومشروعاً متكاملاً- على تغيير الواقع الذي نعيش، ومن إمكانية استجابة أهل القوة والمنعة له كما استجابوا للرسول وصحبه من قبل ؟ هل هو التضليل السياسي والمغالطة الفكرية أم هو سطحية الفهم للتاريخ الذي يحاول استقراءه ؟ والذي لو أمعن فيه لأدرك أن لا سبيل لتغيير واقع أي أمة بدون العمل الفكري والسياسي في أوساطها ، وأنه الذي يكفل بناء القاعدة الشعبية التي تمثل أساس بناء أية دولة.

ومن العجب العجاب أن يجعل الأستاذ عبيدات تاريخ الخلافة تاريخاً أسوداً، ويغفل أو يتغافل عما أحدثته الخلافة من تغيير لمعالم الكون وقتئذ وعما قدمته للبشرية من هدى يقوم على رسالة الإسلام التي أخرجت العباد من عبادة العباد والأصنام إلى عبادة الله رب العباد، ومن علوم ومعارف يشهد لها الكافر والغربي قبل المسلم ؟ وهل مثلت تلك الحوادث التاريخية المبتورة التي ذكرها-بعيداً عن الرد والبحث في تفصيلاتها- هل مثلت تاريخ ألف وأربعمائة عام سادت بها الخلافة وحكمت العالم بالعدل والإنصاف أم كانت مجرد شامات سود في بعير أبيض ؟

فإن كان الأستاذ عبيدات قد قرأ تاريخ الخلافة بمنظار أسود فليتصف بالموضوعية والنزاهة والإنصاف وليعد القراءة مرة أخرى بلا آراء ومواقف مسبقة علّه أن يصيب كبد الحقيقة.

أما ما هي الخلافة التي ندعو لها فهي ما تعمد تشويهها أو إغفالها وهي خلافة راشدة على منهاج النبوة تطبق شرع الله المنبثق عن عقيدة الأمة وتسود العالم وتحكمه بالعدل والإنصاف، تلك الخلافة التي لم يغفل عن مضمونها أعداء الأمة- كأمثال بوش وبلير وكلارك وبوتين وساركوزي - ولم يغفلوا عن التحذير من عودتها.

إن مثل تغير الأمم وتقلّب أحوالها كمثل الماء في القدر، فإنك إذا وضعت تحته ناراً سخن الماء ثم وصل إلى درجة الغليان ثم تحول هذا الغليان إلى بخار يدفع، ويحدث الحركة والاندفاع، لكن البسطاء وسطحي التفكير لا يدركون ما يحل به إلا من بعد أن يصل إلى حالة الغليان المشاهدة بالحس بينما يدرك العليمون بأحوال المجتمعات والأمم مدى السخونة التي يصل إليها المجتمع أولاً بأول فهم دائمو المراقبة لفكر الأمة وحسها، لذا فإن كان خطأ فهم الواقع قد حال بين الكاتب وبين فهم حال الأمة الذي بات يقض مضاجع القوى الغربية الاستعمارية فلا أقل من أن يعيد النظر في الواقع وحال الأمة مرة تلو الأخرى حتى يدرك الواقع كما هو لا كما يريده الظلاميون واليائسون الذين يعيشون حالة من الضعف والانهزامية و"الاغتراب" عن فكر الأمة وحسها، والذين يتسترون خلف عباءات فكرية غريبة عن عقيدة الأمة وفكرها، وإن كان الكاتب قد أدرك الواقع وعمد إلى المغالطة سعياً لتكريس الواقع الذي نعيش فحسبه أن يكون في صف أعداء الأمة المثبطين .

الخلافة حقيقة وليست خيالاً يداعب الأحلام

مع اقتراب عودة الخلافة الثانية راشدة على منهاج النبوة من جديد، ومع ازدياد عدد المطالبين بعودتها من المسلمين بل إنني لا أبالغ إن قلت إن الأمة باتت تجمع على التعلق بدعوة الخلافة وتتطلع لعودتها برغم ما أصابها ويصيبها من فرقة وضعف، وفي ظل هذه الأجواء التي تبشر بعودة الأمة للمكانة المرموقة التي تستحقها وللمهمة الإلهية التي أوكلت لها بإنقاذها للعالم وبذلها للأرواح والأموال رخيصة في سبيل نشر العدل والهدى، ينشط بعض المغرضين ممن باعوا أنفسهم للقوى الغربية الاستعمارية أو ممن رأوا في الهيمنة الغربية قدراً مبرماً بحق الأمة لا سبيل لنجاتها منه، في التشكيك في إمكانية عودة الخلافة زاعمين أنها فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق وأنها غير واقعية .


وبالرغم من أن هذه الدعاوى هي دعاوى قديمة قد لصقت بدعوة الخلافة منذ نشأتها إلا أنني وددت الوقوف على هذا الدعاوى وبيان زيفها لا سيما وأننا نعيش إرهاصات عودة الخلافة، إرهاصات لا تدع مجالاً لأي مفكر أو مراقب عربياً كان أم أعجمياً إلا أن يرى بأن الخلافة باتت قاب قوسين أو أدنى وأنها دنت وتدلت ولم يبق على بزوغ شمسها سوى لحظات كالحة من بقايا الليل البهيم .



وإذا أردنا الحديث عن واقعية فكرة الخلافة وكونها أصبحت حقيقة واقعة، لا بد لنا أن نستذكر أن الأمة الإسلامية لا بد لها أن تستوحي فكرها وتوجهاتها من عقيدتها وما ينبثق عنها من فكر، وسواء أدركت الأمة مدى انطباق هذا الفكر على الواقع أم لم تدركه يجب عليها أن تبقى ضمن دائرة التسليم والتطبيق، لأن الأمة ربما يتفاوت إدراكها للأحكام والوقائع بين فترة وأخرى، تبعاً لقوتها الفكرية وضعفها، وتاريخ المسلمين الذي تراوح بين مستويات متعددة من الأفهام للأحكام والوقائع يؤكد على ضرورة بقاء الأمة ضمن الفكر المنبثق عن عقيدتها برغم كل ما يمكن أن يثار حول هذا الفكر والسلوك من تشكيكات وظنون حول جدوى هذا الفكر وإمكانية تحققه مع ملاحظة ديمومة الارتباط والانبثاق بين هذا الفكر وعقيدة الأمة، بينما يجب على الأمة ترك كل فكر لا ينبثق أو يبنى على عقيدتها وإن تراءى لها واقعيته وإمكانية تطبيقه أو سهولته .



إلا أن ذلك لا يعني البتة أن فكرة الخلافة اليوم تستعصي على الأفهام وتحكم العقول بعدم واقعيتها بل إن الظروف والملابسات التي تكتنف العمل لها لا تدع مجالاً للمرء مسلماً كان أم كافراً سوى أن يدرك واقعية الخلافة بل ودنو عودتها بصورة قطعية،



فواقع الأمة بما فيه من ميزات لا تحظى بها كثير من الأمم يدل دلالة لا لبس فيها على أن كل مقومات الدولة المبدئية الواحدة متوفرة ،
فالأمة تمتلك مبدأ واحداً يربطها ربطاً عقائدياً غير قابل للانكسار أو التهتك مما يجعل المسلمين في كافة أقطار المعمورة يشعر بعضهم ببعض ويعيش بعضهم قضايا البعض بصورة طبيعية كالجسد الواحد،



كما أن بلاد المسلمين تتواصل جغرافيا بصورة كاملة مما يجعل وحدتها أمر يسير لا عوائق فعلية أمامها،
ووحدة الأمة في كيان كان حقيقة واقعة لوقت قريب ولمدة زمنية لم يسبق أن اجتازتها أمة من قبل، مما يجعل عودتها لها عودة لسالف عهدها ولواقع كانت تمارسه طوال قرون .


أما آراء وتشكيكات البعض بواقعية مشروع الخلافة وإمكانية تحققه من جديد، فهي آراء قد نبعت من جراء التبعية السياسية للقوى الغربية التي تسعى لدوام سيطرتها على الأمة الإسلامية وتحكمها بها ونهبها لخيراتها واستعبادها لشعوبها أو من جراء العيش في سراديب مظلمة لا يُرى فيها نور أو بصيص أمل،



واعتمدت هذه الآراء على حجج واهية أو مغلوطة ظنها البعض تطعن في واقعية فكرة ومشروع الخلافة، منها التنوع السكاني والمساحات الجغرافية المترامية الأطراف، ومنها التشكيك في قدرة نظام الخلافة على مواكبة المتغيرات العصرية ومنها اختلاف صورة الدولة اليوم عما كانت عليه قبل قرون، ومنها عدم تفاعل الأمة مع طرح الخلافة وعدم إمكانية تطبيق الأحكام الشرعية في عصرنا الراهن، وغير ذلك الكثير من الأقوال المتهافتة والمغلوطة والتي لا تقوى أمام الحشد الهائل من الدلائل القاطعة بواقعية فكرة الخلافة بل وبدنو عودتها من جديد .



والمدقق في كل الأقوال التي ذُكرت يجد أن لها مشكاة واحدة وإن اختلفت في الصورة والمظهر والعبارات، فكل تلك الآراء المشككة لا تعالج مشروع الخلافة وإمكانية عودتها أو واقعيتها بمقاييس عقلية نزيهة أو موضوعية، إذ إنها تنطلق من تكريس الواقع الحالي أو زرع اليأس من إمكانية تغيير هذا الواقع الذي نعيش، وتنطلق هذه الآراء من التشكيك في إمكانية وصلاحية تطبيق الإسلام في الحياة من جديد بل وصلاحية الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة الإسلامية لكل زمان ومكان، ولا يخفى على مسلم أن هذا الطرح يخرج المرء عن اعتقاده بصلاحية الإسلام وبالتالي يخرجه من زمرة الأمة الإسلامية ويجعله عامل هدم لها ولكيانها، كما لا يخفى مناقضة هذا الطرح لواقع تطبيق الإسلام طوال العصور الماضية على اختلافها وصياغته لها على نسق فريد، وتنطلق هذه الآراء من أن نظام الخلافة لم يكن سوى نظام خاص بمرحلة زمنية معينة وبالتالي فنحن غير مطالبين بتطبيقه في زماننا الراهن مما يجعل حامل هذا الرأي يفتش عن كل المبررات التي يراها تقف سداً في وجه هذا المشروع، وتنطلق هذه الآراء أيضاً من أن نظام الخلافة كان نتيجة توافقية بين القوى السياسية الفاعلة في عهد الصحابة وتوارثته الأمة ولم يكن نظاماً منصوصاً عليه ضمن الشريعة الإسلامية ولا يخفى على مسلم أن هذا الطرح يتجاهل النصوص الصريحة التي جاءت تدل على فرضية الخلافة والبيعة لإمام دار العدل وتتجاهل أن إقامة الرسول عليه السلام للدولة الإسلامية الأولى كان وحياً من الله له وتشريعاً وجب على الأمة أن تقتفي فيه أثر الرسول صلى الله عليه وسلم .



إن القول بقدرية الواقع الذي تعيشه الأمة وعدم إمكانية أو واقعية لمّ شملها وإعادتها دولة كبرى هو قول ينافي الشرع والواقع وسنة التغيير.
إن دلائل عودة الخلافة كثيرة وهي ذاتها دلائل واقعية هذا الطرح ،



فالفكرة حتى تعتبر خيالية غير واقعية تكون من نسج الأوهام والتخيلات والفرضيات، بينما فكرة الخلافة تمتلك مشروعاً متكاملاً وتأصيلاً شرعياً مستمداً من مبدأ الإسلام، تمتلك فكرة الخلافة طريقة للوصول إليها والأنظمة التي ستطبقها بأدق التفاصيل، وطريقة الوصول إليها هي نفسها الطريقة الوحيدة العملية التي بها تغير الأمم وبها تبنى الدول المبدئية، كما أن أنظمتها سبق أن طبقت تطبيقاً عملياً جلب الخير والطمأنينة للبشرية جميعاً، وهذا كله يجعل فكرة الخلافة فكرة عملية وواقعية .



كما أن الحديث عن خيالية فكرة الخلافة يتلاشى عند الوقوف على مدى ما وصلت إليه الأمة في سيرها في هذا المشروع، فكل متدبر لحال الأمة ولما أصابها من تغيرات في فكرها وسلوكها يدرك أن عودة الخلافة باتت أقرب من أي وقت مضى، ولعل هذا الإدراك الذي ربما يخفى على البعض هو ما دفع العديد من قادة الغرب والسياسيين والمفكرين من التنبؤ والتخوف من عودة الخلافة في غضون عقد أو يزيد .
إن الأمة الإسلامية باعتقادها بعقيدة الإسلام لا تملك من ناحية عقلية سوى أن تطبق النظام الذي انبثق عن هذه العقيدة وإلا بقيت متردّية متخلفة، وهي بامتثالها لأحكام ربها لا تملك سوى إقامة الخلافة وتطبيق الإسلام باعتبار ذلك حكماً شرعياً ثابتاً، فالخلافة لدى الأمة تخرج عن وصف الواقعية والحقيقة إلى الوجوب واللزوم،



إن الخلافة قائمة لا محالة، بها وعدنا الله، وبها بشرنا الرسول الأكرم عليه السلام، ولها يسعى الساعون المخلصون لإقامتها وبالأمة ومعها ستقوم قريباً بإذن الله، وستسود العالم وسيعمه الخير، فالخلافة هي أمر الله وقدره، وأنىّ لبشر أن يجابه القدر ؟!

خطاب نتنياهو وصلف واستكبار يهود

تحت وقع التصفيق ومحاكاةً للرئيس الأمريكي من قبله، صعد رئيس وزراء يهود منبر الخطابة متعجرفاً، مستلهماً جذور أجداده التاريخية زاعماً أن لهم حقاً في فلسطين، مانّاً على أهل فلسطين بالسماح لهم بسكنى أراضي ما أسماها بيهودا والسامرة، فما الذي دفع هذا ليستخف بأمة تربو على المليار ؟! وما الذي جرّأه حتى يرعد ويزبد ويتوعد ؟ وهل اليهود بحق يمتلكون من القوة ما يدعوهم إلى الغرور والعنجهية ؟ أم أنهم يستقوون بغيرهم ويأمنون عدوهم ؟ وهل اليهود بحق يريدون السير في أي مشروع "سلمي" مهما كانت تفصيلاته ومهما كان يحوي من تحقيقٍ لمصالحهم ؟ أم أنهم كطبعهم يخادعون ويماطلون ؟


لا يختلف اثنان على إن خطاب نتنياهو اتصف بالصلف والعنجهية والاستكبار، كما لا يختلف اثنان على أن نتنياهو قد ضرب بخطاب أوباما بخصوص قضية فلسطين وتصريحات كلينتون عرض الحائط على خلاف ما زعمه أوباما نفسه عندما صرح قائلاً بأن خطاب نتنياهو كان "خطوة مهمة إلى الأمام" وكذلك فعل الإتحاد الأوروبي، فما الذي دفع يهود للعلو والاستكبار ؟ وإلى متى سيبقى هؤلاء يتشدقون بقوتهم وجبروتهم، ودولتهم أوهى من بيت العنكبوت ؟! وهل اليهود بحق قادرون على أن يقفوا في وجه المخططات الغربية أم أنهم مكوّن أساسي لها ؟!

لقد شخّص لنا الحق سبحانه واقع يهود وواقع قوتهم وأسبابها بقوله (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ)، وهذه الحقيقة هي ما نطق بها تاريخ اليهود، فمرة قد علا شأنهم وارتفع زمن الأنبياء من قبل ومن ثم ارتدوا على أعقابهم ناكصين نتيجة كفرهم وتكبرهم وقتلهم للأنبياء والمرسلين، ومرة أخرى ما نشهده في العصر الراهن من العلو والاستكبار نتيجة دعم القوى الغربية لهم وإقامتهم لكيان يهود هذا، ومخطئ من ظن أن يهود قد بنوا كيانهم نتيجة تضحيات الشعب اليهودي وتفانيه في بناء دولته ،

إن اليهود بحق ليسوا أهل حرب بل إنهم لم يخوضوا حرباً حقيقية واحدة على مدى عصورهم وكل ما يشاع عن حروب عام 48 و67 لم يكن سوى مسرحيات قد لعبوا فيها دور البطولة دون أن يتقنوه، وما أحداث تموز وغزة الأخيرة سوى عينة صغيرة وصورة متواضعة للمشهد اليهودي الحقيقي الذي يتستر خلف حصون وهالة كذابة، ولكم في التاريخ عبرة ومثال على سلوك هؤلاء فقد كانوا قد توعدوا النبي عليه السلام عقب غزوة بدر بقولهم علوا واستكبارا "يا محمد لا يغرنك أنك قاتلت نفراً من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، انك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا " ولكنهم سرعان ما هربوا خائفين جبناء عندما شاهدوا زحف المسلمين نحو خيبر قائلين "محمد وافق، محمد والخميس"، كما أنهم ليسوا شعباً مكافحاً في سبيل قضية كما يزعمون، وإنما كانوا ولا زالوا مجرد أداةٍ بيد القوى الغربية الاستعمارية التي أرادت زرع كيان يهود منذ عهد نابليون حتى نجحت بإقامته عام 1948، ليكون هذا الكيان خنجراً مسموماً في قلب الأمة الإسلامية، وليحول بينها وبين التوحد من جديد وليكون قاعدة عسكرية متقدمة للدفاع عن الغرب وليكون شماعة وألهّية لينشغل بها المسلمون عن عدوهم الحقيقي المتمثل بأمريكا والإتحاد الأوروبي، وهذه النظرة توارثها الغرب عن أسلافه قادة الحروب الصليبية في نظرتهم لسواحل بلاد الشام وسعيهم الدؤوب للسيطرة عليه. لذا تجد أمريكا وأوروبا تمد يهود بحبل الحياة وبحبل القوة والتجبر مما يدفعهم إلى الاستعلاء والاستكبار والعربدة على المنطقة بأسرها لا سيما مع وجود حكام اتخذوا من الاستخذاء وحماية كيان يهود مهمة لهم فظن يهود أنهم من القوة والصولة والجبروت بمكان وما هم في الحقيقة سوى مجرد دولة من ورق ونمر من نسج الأوهام (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).

إن كيان يهود ليس سوى مجرد أداة يستخدمها أعداء الأمة الحقيقيون من أمريكان وأوروبيين فلا بد للأمة أن تدرك أن هؤلاء هم أعداؤها وهم من أقام هذا الكيان المسخ وهم من يمده بأسباب الحياة والقوة، فالمعركة بين الأمة والقوى الغربية الاستعمارية وإن كان كيان يهود هو حلبة الصراع وساحة المعركة، لا بد للأمة أن تدرك هذه الحقيقة وتداوم على تذكرها لئلا تركن إلى أعدائها فتزل أقدامها، وتنخدع بمن تزين لها وبدا بثياب الواعظين،

فإذا ما أدركت الأمة صعيد المعركة لن تنخدع بخطاب أوباما ووعوده ولن تعبأ وترحب بابن المؤسسة الأمريكية وصانع القرار فيها كارتر، بل ستبقى تنظر إلى هؤلاء نظرة عداء كما تنظر إلى نتنياهو وباراك وليفني بل أشد.

إن على المسلمين أن يوقنوا أن حبل أمريكا ليهود مقطوع لا محال وسيسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، وإن تخاذل حكام المسلمين وسهرهم على حماية كيان يهود هو من دفعهم للتجبر على المسلمين واحتلال بلادهم ومقدساتهم، لذا فقد دقت الساعة مرة أخرى لتذكر المسلمين أن عليهم العمل والسعي الدؤوب لإزالة عروش الطغاة وإقامة الخلافة الراشدة الثانية حتى يحقق الله بهم وعلى أيديهم تحرير بيت المقدس وإعلاء كلمة الله (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا).

حمى الدولتين !!

بسم الله الرحمن الرحيم

حمى الدولتين !!

هل يمكن للإدارة الأمريكية الحالية أن تحل قضية فلسطين بين عشية وضحاها ؟ أو حتى عام 2012م كما يقولون ؟ وماذا يمكن أن تقدم أمريكا لأهل المنطقة من حلول ؟ وهل مشروع حل الدولتين بلسم شافي لجروح المنطقة غير المضمدة أم أنه سم زعاف ؟ هل يمكن لأمريكا أن تضرب بمصالح يهود التي تربطها بهم "علاقة غير قابلة للانكسار" عرض الحائط؟ وهل تقبل أمريكا أن يراق دم يهودي واحد أو يهجر من بيته لأجل عيون الفلسطينيين "المساكين" ؟ هل يمكن لأي مشروع حلٍ أن يحقق ما يسمى بـ"السلام"؟ وهل تستطيع الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا سلخ شعوب المنطقة عن معتقدات كل منها عن الطرف الآخر وعن أرض فلسطين ؟


أسئلةٌ وغيرها الكثير تقفز إلى الذهن عند مشاهدة ارتفاع حدة الطرح الأمريكي لحل قضية فلسطين والذي وصل إلى درجة الحمى وملأ وسائل الإعلام ضجيجاً وصخباً هائلاً، فعقب خطاب أوباما في قاهرة المعز، وتأكيده على أن إدارته عازمة على حل قضية فلسطين وفق رؤيا الدولتين، تصاعدت وتيرة ردود الفعل وزاد الحراك السياسي في المنطقة، وانبرى البعض مروجاً لمشاريع أمريكا-التي لا زالت تلغ في دماء المسلمين- كأنها البلسم الشافي لهذه القضية، وأن عزمها هذه المرة ليس كسابقاته، كما من المتوقع أن يتلو هذا الخطاب خطابات "مرتقبة" من الأطراف المعنية بالصراع الدائر في المنطقة، خطابات تعزف على وتر المصالحة والرضا بالطرح الأمريكي بصورة علنية أو خفية، جدية أو مماطِلة؟.


فما هو مشروع أمريكا للمنطقة ؟ وما هي فرص نجاحه ؟ وأين تقف الأمة الإسلامية وأهل فلسطين وشعوب المنطقة من هذا الطرح؟


إن طرح أمريكا والمعروف بمشروع الدولتين هو مشروع أمريكي خالص وليس مشروعاً "وطنياً" أو "تحررياً" كما يزعم البعض ويدّعي، ولقد بات ذلك واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، فلم يعد خافياً أن هذا المشروع هو جزء من المخطط الأمريكي للمنطقة بوجه خاص وللعالم الإسلامي بشكل عام، ولم يعد خافياً كذلك أن أمريكا تُقدّم هذا الحل من منطلقاتها السياسية وأنها لا ترتكز في طرحه على المسوغات الدعائية والإعلامية المعلنة كـ "تلبية تطلعات الشعب الفلسطيني" أو "تحقيق حلمه بإقامة دولته" أو "إنهاء معاناته" أو غير ذلك مما يحاول البعض إلباسه للمشروع الأمريكي لغرض الترويج والدعاية، كما لم يعد خافياً أن تحرك أمريكا اليوم لحل هذه القضية يقف وراءه محاولة ترميم وجه أمريكا القبيح الذي علاه سمات القتل والإجرام واللاإنسانية وصرف النظر عن مخططاتها الاستعمارية وما تخلفه من مجازر بحق المسلمين في كل من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، كما لم يعد خافياً كذلك أن هذا الطرح يكفل لليهود –وفق النظرة الأمريكية-العيش بأمان في منطقة العالم الإسلامي ويُمَكِنَهم بصورة "مشروعة" وبإقرار أهل البلاد من أكثر من 93% من فلسطين، ويفتح العالم الإسلامي على مصراعيه أمام النفوذ والسيطرة اليهودية، بينما يُبقي هذا الطرح لأهل فلسطين على استحياء وبلا سيادة على أرض أو ماء أو هواء بعض البعض منها.



إن أمريكا تظن واهمة أن بمقدورها حسم الصراع في فلسطين، وتنسى أن فلسطين ترتبط بعقيدة أهلها لا بمصالحهم لذا فهي غير قابلة للتفاوض أو التنازل وإن زعم البعض تمثيلها ففرّط وضيّع، وتنسى أمريكا كذلك أن أهل فلسطين هم من المسلمين وأن بيت المقدس يرتبط بعقيدتهم برباط الإسراء والمعراج وأن كل شبر من فلسطين قد روي بدماء الصحابة والفاتحين والمحررين من قبل، وأن أهل فلسطين والمسلمين عموماً لن يقبلوا سوى تحريرها ولو بعد حين، وهي تظن واهمة أن بمقدورها نزع تلك العقيدة من صدور المسلمين، متناسية أن الأمة الإسلامية طوال عصورها وحتى في فترات الضعف والهزيمة لم تتخل عن عقيدتها وأن المسلمين فضلوا أن يبادوا ويقتلوا على التخلي عن بعض إيمانهم، فهل يمكن لأمريكا أن تغير عقائد هكذا قوم ؟! وهل يمكن لأمريكا أن تنزع الإيمان من قلوب امتلأت به ؟!
إن شدة الحراك السياسي في المنطقة لا يعني أن أمريكا قادرة على حل قضية فلسطين، وإن عزم هذه الإدارة على الحل لا يعني انه سيقدم أو يؤخر شيئاً في هذه القضية التي لا زالت منذ ستين عاماً أو يزيد تراوح مكانها بين شدّ وجذب، فإذا ما أدركنا حقيقة الصراع القائم بين المسلمين ويهود، وإذا ما أدركنا ارتباط هذه الأرض بعقيدة المسلمين مع ادعاء يهود الباطل أن الله أعطاهم أرض فلسطين، يمكننا الحكم بأن هذه الأرض لن تقبل القسمة على اثنين وأن الصراع سيبقى قائماً إلى أن يُحسم لصالح احد الطرفين .



إن تحركات أمريكا لا يعني قدرتها على التأثير، وإن حملة العلاقات العامة التي بدأتها الإدارة الأمريكية مع العالم الإسلامي مستغلة ورقة القضية الفلسطينية لا يعني أن هذه القضية قد قفزت إلى سلم أوليات هذه الإدارة فلا زالت الأزمة الاقتصادية وأفغانستان والعراق في رأس الهرم لديها .



إن أمريكا عجزت عن حل هذه القضية في ريعان شبابها وذروة قوتها فهل تستطيع حلها من بعد ما أصابها داء الأمم ومن بعد ما انتكست في كافة القضايا السياسية ؟!



إن قضية فلسطين ستبقى في شدّ وجذب كخض الماء في القربة لا ينتج شيأ، ولن تحل هذه القضية إلا بأن يقوم للمسلمين كيان يأخذ على عاتقه تحرير هذه الأرض وحسم الصراع فيها وإنهاء كيان يهود السرطاني وإعادتها درة في جبين الأمة .



إن تحرير فلسطين كاملة من أيدي اليهود الغاصبين هو الحل الذي لا حل سواه لهذه القضية وهو الحل الواقعي الوحيد ولا يُنقص من واقعيته أو إمكانية تحققه دعاوى بعض المثبطين أو اليائسين من أمتهم، أو سير المضبوعين والتابعين في مخططات المستعمرين، وإن الأمة الإسلامية باتت أقرب من أي وقت مضى-برغم كل العوائق التي توضع في طريقها وبرغم كيد ومكر الكافرين- إلى تحقيق بغيتها بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة والتي ستحرر فلسطين كاملة وكل شبر محتل من أرض المسلمين، وإن غداً لناظره قريب .
(وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا)

الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما

الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما

لم تجر العادة أن يقوم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه رسالة للأمة الإسلامية من عقر دارها، ولم يكن مقبولاً في تاريخ الأمم أن يقوم فيها كبير أعدائها ومن يحتل ديارها ومن يقتل أبناءها وينهب خيراتها مقام الواعظين فيها، أو مقام المعلمين فيهم فيعلمهم دينهم ويخبرهم عن الإسلام الصحيح والمزيف وكأني به يريد أن يجسد عبارة "هذا أوباما جاءكم يعلمكم دينكم" .

ففي قاهرة المعز وفي دلالة معنوية لا تخفى على لبيب، صعد أوباما منبراً أمريكيا مدبوغاً بشعار الرئاسة الأمريكية ليس في واشنطن بل في كنانة الله في أرضه، وفي قلب بلاد المسلمين .

وبالرغم من عباراته المنمقة والمختارة بعناية فائقة وبرغم مديحه للإسلام وحضارته الذي لم يجاوز لسانه، وبرغم تأكيده على أنه يريد أن يتحدث بصراحة وصدق، إلا أن أوباما قد ذكر كل شيء سوى الحقيقة وقد عمد بشكل واضح غير خفي إلى التضليل والمغالطة والكذب في بعض الأحيان.

فأوباما صرح بأن أمريكا قد دُفعت بفعل أحداث 11-9 لحرب أفغانستان ولم تختار هي الحرب بنفسها، متناسياً أن تلك الحرب لازالت قائمة وأن أهداف أمريكا في أفغانستان باتت واضحة لكل مراقب من تأمين خطوط الغاز العابرة من أفغانستان وإقامة قواعد عسكرية لضرب أي تحرك جدي مخلص للمسلمين ومن حملات تبشيرية لحرف المسلمين عن دينهم ولعل أوباما لم يطلع على الأنباء التي سربت من داخل الجيش الأمريكي والتي كشفت عن الأعمال التبشيرية التي يمارسها الجنود الأمريكيون في أفغانستان.

وأما العراق فلم يذكر أوباما كيف زورت كلٌ من أمريكا وبريطانيا الحقائق في شأن امتلاك العراق لسلاح نووي وكيف اعتمدت على الكذب في حربها وان همّها لم يكن تخليص الشعب العراقي كما زعم من طاغية حكمها وتجبر بها فبلاد المسلمين اليوم تزخر بالطغاة الذين تمدهم أمريكا بأسباب الحياة والقوة ولكنه تجاهل عمداً بأن نفط العراق ومكانته الإستراتيجية ومخططات أمريكا للمنطقة بأسرها هو من دفعها لاحتلاله وتدميره فوق رؤوس ساكنيه.

ولم يذكر أوباما أن اليهود الذي تغني بمتانة علاقة أمريكا بهم واعتبرها غير قابلة للانكسار قد أقاموا كيانهم بل أقامته لهم كل من أمريكا وأوروبا على أراض تم اغتصابها وتشريد أهلها منها واحتلالها بالقوة، تلك القوة التي جعلها أوباما حكراً على المحتلين دون أن يأذن لمن احتلت أراضيهم باستخدامها ويطالبهم بالمقاومة السلمية، فهل أقامت أمريكا وبريطانيا كيان يهود بالمقاومة السلمية ؟! وأما تغنيه بحل الدولتين فلم يكن رأفة بأهل فلسطين بل حلاً لإشكالية قد سببت التوتر وإفشال المؤامرات والمخططات الأمريكية في المنطقة الإسلامية بأسرها فكانت فكرة حل الدولتين تحقيقاً للمصالح الأمريكية العليا وليس رأفة بأهل فلسطين مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الحل من شأنه أن يضيع جلَ جلِ فلسطين وأن يبقي لأهلها على استحياء وبلا سيادة على أرض أو ماء أو هواء بعض البعض منها.

وبالنسبة لدعوات الحوار وضرورة التلاقي عند القيم المشتركة في الإسلام والإدارة الأمريكية وبين الإسلام وبقية الحضارات، فلم يذكر أوباما من أعلن الحرب صليبية على المسلمين وقاد حملات شبيهة بالعصور الوسطى ومن جعل الإسلام هو الإرهاب ومن حكم على نهاية البشرية في ظل الرأسمالية ومن سعى لفرض قيمه البالية على بقية شعوب العالم، كما لم يذكر أوباما من أساء للقرآن ورسوله الكريم ابتداءاً من كبيرهم الذي علمهم السحر وانتهاءاً بأصغرهم من راسم للكراكاتير باسم حرية الدين والمعتقد، كما لم يذكر أوباما من يعتقل المسلمين لمجرد إطلاقهم للحاهم أو لباسهم أو حتى معالم وجوههم، كما لم يبين أوباما كيف حققت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مفهوم العدالة للأمم بل حتى للشعب الأمريكي -والتي زعم أن أمريكا تشارك فيها الإسلام- هل حققت أمريكا العدالة للأمم باحتلالها واستعبادها، أم بقتل أبنائها ونهب خيراتها أم بتجويع أكثر من ملياري إنسان أم بدعمها للفتن واختلاقها للاقتتال الداخلي والطائفي في كل من العراق وباكستان والسودان والصومال وفلسطين ؟!!

وأما المرأة وحقوقها، فحدث ولا حرج، فمن كذب وخداع أوباما وتفاخره على العالم كذبه بشأن حقوق المرأة في أمريكا وسعيه للشراكة مع كل نظام يريد أن يحقق للمرأة مكانتها كما يفهمونها، وكأني به يصدق أكذوبة الغربيين بأنهم أعطوا للمرأة حقها، فجعلوا منها سلعة تباع وتشترى واستغلوا أنوثتها ولم يقيموا وزناً لأم أو بنت أو أخت كل ذلك بدعوى الحريات الشخصية واستقلالية العيش والقرار، فلم يذكر أوباما عدد النساء اللاتي يتركهن أزواجهن يصارعن الحياة لتحصيل لقمة العيش بسبب الحياة الاجتماعية المنحلة هناك، ولم يذكر أوباما عدد النساء اللاتي يغتصبن يومياً في أمريكا، ولم يذكر عدد اللواتي أصبحن بلا مأوى بعد أن تقدم بهن العمر سوى بيوت العجزة، بينما هو يسمع ويرى كيف تعيش المرأة في بلاد المسلمين برغم وجود بعض الإساءات كون هذه البلاد تحكم بأنظمة وضعية من وضع الرأسماليين وأضرابهم، وكيف تعيش المرأة حياة لا تشبهها فيها سوى الملكة التي كلما كبرت كبرت مملكتها من الأولاد والأحفاد الذين لا همّ لهم سوى طلب ودها ورضاها.

أما مشاريع التنمية فلعل أوباما قد غفل أو تغافل بأن اقتصاد أمريكا ودولارها هما سبب البلايا والمصائب الاقتصادية التي تعم العالم، ولم يبين أوباما كيف لأمريكا أن تدعم اقتصاديات العالم وهي تعاني الأزمات تلو الأزمات بل وهي تنهب خيرات العالم وأمواله.

وخلاصة ما ذكر أن الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما وأنه ما من قضية تناولها إلا عمد فيها للكذب والتضليل والخداع فتلكم هي السياسة في عرف الرأسماليين وذاك ديدنهم.

ولكن اللافت للنظر أن يقبل بعض المسلمين أن يخاطبهم كبير أعدائهم وأن يقبلوا أن يتحدث في قضاياهم وأن يحكم بها، لا شك أن الأمة اليوم تعاني من حالة ضعف وهوان جرأت أعداءها عليها بل وجرّأت حكامها ليسخّروا البلاد والعباد والمنابر والجامعات لخدمة الكافر المستعمر.

إن الأمة الإسلامية ظلّت عبر العصور هي من تخاطب البشرية كونها تحمل رسالة الخير لهم، وهي من توجه لهم الرسائل، وهي من تقتحم عليهم ظلمتهم فتنيرها بعدل الإسلام، فذاك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يخاطب كسرى والفرس وقيصر والروم والمقوقس والنجاشي، وذاك الرشيد يخاطب الغمام قبل البشر، وذاك المعتصم وذاك .. ، فهل يدرك المسلمون سبب هوانهم وأن بالإسلام والخلافة يعودون كراماً أعزة قادة للعالم، فيجلبون الخير للبشرية والأمم ؟!

أيهما أحق بالأمن والحماية ؟!

أيهما أحق بالأمن والحماية ؟!

تكتظ وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بأخبار القتل المستحر في المسلمين وبأخبار نكباتهم ومصائبهم، هنا في فلسطين حيث لا زال الحصار يخنق أهلنا في غزة ولا زالت وعود الإعمار الكاذبة تنتظر ثمناً سياسياً يُقدم قرباناً على مذبح الرباعية، وضحيةُ هذا الحصار أناسٌ عزلٌ مدنيون وإن لبس بعض أبنائهم زي العسكرية فهم محتلون من قبل ومن بعد، أناسٌ يفترشون الأرض ويلتحفون السماء لا يملكون لقمة يقيمون بها صلبهم أو رشفة ماء نقية يُندون بها شفاههم، ومع ذلك كله تُصر قوى الطغيان العالمية ومن سار في ركبها من حكام المنطقة على التضييق وإحكام الخناق على هؤلاء المستضعفين، وبرغم ارتفاع استغاثات اليتامى والأرامل والرضع و عمق أنين الثكالى والجرحى إلا أنها لم تلاق سوى الصم ولم تكن سوى أصوات نشاز تُعزف في سيمفونية التبعية والاستعمار، وعلى الجانب الآخر ينعم المغتصبون لأرض سُلبت من أهلها في رابعة النهار بحياة ملؤها الأمن والطمأنينة والعيش الرغيد، وتصر قوى الطغيان العالمية ودول التبع الإقليمية على إحاطة هذا الكيان بوافر الراحة والأمن ومدّه بأسباب الحياة والقوة والمال والعتاد والغاز وتتبارى دول المنطقة في التقرب لهذا الكيان –بالرغم من صلفه- زلفى، ففي دمشق عُقد مؤتمر لوزراء خارجية منظمة العالم الإسلامي لا ليقدم مبادرة أو خطوة عملية لرفع الحصار عن المستضعفين في غزة-وإن طالب ذلك بعبارات حيية- ولا ليستنفر الجيوش الرابضة أو التائهة في بيداء الخزي العربية لتتدارك تقصيرها فتحرر البلاد والعباد من رجس يهود وهي على ذلك قادرة بل يعقد هذا المؤتمر ليقدم العروض والإغراءات للغاصب المحتل بالتطبيع ودفء العلاقات والأذرع المفتوحة من دول "الإعتدال" و دول "الممانعة" على حد سواء ، فمبادرة "السلام" العربية باتت مبادرة سلام للدول القائمة في العالم الإسلامي.

فأيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية لو كانوا يعلمون ؟! قوم سلبت أرضهم وديارهم مستضعفون أم غاصب محتل يتمادى في غيه ساعة بعد ساعة ؟!

وهناك في باكستان ، جيش عرمرم يهرع لقتل المدنيين من إخوانهم وتشرديهم من ديارهم، أكثر من مليونين ومئتي ألف شردوا، آلاف القتلى والجرحى، مدن وقرى سوّيت بالتراب، حرب طاحنة ضروس في الأحياء والأزقة، حرب شوارع لا يعلو فيها سوى أزيز الرصاص ولا يخرق صمتها سوى صوت التفجيرات والقنابل، وكل ذلك يتم تحت ذريعة حرب طالبان والحقيقة أنها حرب أهل باكستان وسوات وكل من حدثته نفسه بمد إخوانه في أفغانستان بميرة أو بعير، وفي الجانب الآخر تجثم القوات الأمريكية بأمن وأمان في باكستان وتقلع طائراتها لتقصف منطقة القبائل وأفغانستان، ويأتي مبعوثيها فتفرش لهم البسط وأيديهم تقطر دماً، وفي الجانب الثالث قوات هندية محتلة قد سَلبت جنةَ الله في أرضه "كشمير" من بين أيدي أهلها تنعم بالإستقرار الذي يوفره لها حكام باكستان من ملاحقة كل من يسعى لتحرير كشمير أو تحدثه نفسه بالإساءة إلى الصديق الحميم "الهند".

فأيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية ؟! قوم أرادوا تطبيق شريعة ربهم وأرادوا أن يستظلوا بفيئها ولو قليلاً فطالبوا بحقهم وآخرون طالبوا بتحرير أرضهم التي رويت بدماء أجدادهم، أم محتل لا تكاد تشرق عليه شمس دون أن يوغل قصفاً وقتلاً وتشريداً وتدميراً ؟! ما لكم كيف تحكمون ؟!

وتلك الصومال من بعد أن هوى النفوذ الإستعماري الى حيث لا عودة تأتي حكومة تكتسي ثوب الإسلام والإسلام من فعالها براء وتخدع البعض بقوانين لا يعني إقرارها سوى الموافقة على "تطبيق الإسلام" تحت إرادة المستعمرين من أثيوبيين وقوى إفريقية فعن أي تطبيقٍ يتحدث هؤلاء ؟! وتتأهب الحكومة لتقف على قدميها وتستجدي الأموال من قوى الطغيان الإستعمارية لتبني جيشاً وتشتري سلاحاً لا هم له سوى قتل إخوانه الذين رفضوا وجود المستعمر ومخططاته، فيدمر القرى ويهجر الناس في حرب بالوكالة عجزت عنها قوات الأمل الأمريكية من قبل.

فأيهما أحق بالأمن والحماية ؟! أهل الصومال وأبناؤه الذين رفضوا الذل والتبعية أم يبقى المحتل في منأى عن أي أذى أو ضرر ؟!

وتلك العراق وتلك السودان وتلك اليمن وتلك ...وتلك.

إن الموازين والمقاييس اليوم قد قُلبت رأساً على عقب، فما عادت الدول والأنظمة والجيوش في بلادنا تكرّس نفسها خدمة للأمة وقضاياها كما هي حال الدول والأنظمة والجيوش في عرف البشرية بل باتت سيفاً مصلتاً على رقابنا، دول لا تملك من قرارها من قطمير وتدعي السيادة على شعوبها وأنظمة وحكومات لا همّ لها سوى السير في مخططات التبعية والذل وجيوش أسود على الأمة وفي الحروب نعامة، إنه بحق زمان يبيت الحليم فيه حيراناً، إنه بحق زمان "الرويبضات" و"التحوت"، فبأي منطق أو ذريعة يقتل المسلم أخاه ؟! وبأي حجة أو برهان يؤنس بالكافر ويرضى البعض أن يكونوا له أداة ؟!

إن مما يشطر القلب أن يرى المرء المسلمين في كافة أقطار المعمورة متقاتلين متناحرين، ومما يزيده انشطاراً أن يسير البعض في مخططات القوى الغربية الإستعمارية فيكرّسون أنفسهم وجهودهم وأموال الأمة وأموالهم لتحقيقها، ومما يدمي الفؤاد ويحير اللبيب أن رضي المسلمون بإتخاذ بعضهم بعضاً أعداءاً حتى وصف البعض خطر دولة من المسلمين لا تختلف كثيراً عن بقية الأنظمة في المنطقة في سيرها في التبعية والمخططات الإستعمارية بأنها أشد خطراً من الإحتلال وهم في الخيانة والتبعية سواء .

أيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية ؟! أهلكم وإخوانكم وأبناء دينكم أم عدوكم وقاتلكم ومستعمركم ؟! تساؤل أو استغراب أو استنكار، يبقى برسم التفكّر والتدبر بحالنا لكل صاحب نصرة أو قوة او منعة، ويبقى يدق ناقوس الخطر لكل من رضي بإتخاذ المؤمنين دون الكافرين أعداءاً، لينشغل في صراعهم عن صراع العدو الحقيقي للأمة .