فعاليات رجب تجوب القارات وتؤكد عالمية مشروع الخلافة
نعم يا عبيدات الخلافة حق وحقيقة ولا يُضيرها ضعف الأفهام
هل دفعته موضوعية البحث والنزاهة الفكرية ليتناول مقالتي (الخلافة حقيقة وليست خيالاً يداعب الأحلام) –وخيالاً بالنصب لا بالرفع كما كتبها عبيدات- دون أن يأتي على ذكر الدعائم التي نصبّتُها شواهد على قولي ؟ أم هي القراءة (العميقة!!) للواقع الذي يخشى الأستاذ عبيدات أن يتفحّصه عامة المسلمين فيلامسوا صدق التحول الحاصل في الأمة فيطيش سهمه ؟! وهل يخفى على الأستاذ عبيدات كيف تتحول الأمم من حال إلى حال حتى يحكم بسرمدية حال الأمة الراهن ؟ أم أن مقياسه لتحول فكر الأمة قد تعطل فلم يعد يدرك فارقاً بين القومية والاشتراكية اللتين كانت الأمة في خمسينات وستينات القرن الفائت تلهج ألسنتها بذكرهما والتعلق بهما وبين تعلق الأمة اليوم بفكرة الخلافة وتطلعها إلى عودتها من جديد ، بل وتطلع من اكتوى بنار الرأسمالية حتى من الغرب لاستعادة الإسلام مبدأً مطبقاً في أرض الواقع ؟! وهل قرأ الأستاذ عبيدات التاريخ بتمعن ووقف على مفاصله على الأقل فيما يتصل بالأمة الإسلامية (لا العربية بحسب تسميته) ؟! وهل وقف ملياً على بشرى الرسول لأصحابه بفتح مصر والشام في وقت لم يكن يأمن فيه أحدهم أن يقضي حاجته ؟ أم أنه عدّ تلك البشارات أمانيّ وهيماناً في الأوهام والفرضيات ؟ وماذا وصف تحققها في أرض الواقع ؟ هل هي (الصدفة!!) و(العبثية المادية) التي تسود الكون؟! أم هي ثمرة عمل وجهد مضنٍ بذله الرسول وصحبه بسيرهم في طريق الصراع الفكري والكفاح السياسي في مكة حتى أقاموا دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة التي سادت الجزيرة في بضع سنين بل وامتدت لاحقا لتشمل أصقاع المعمورة ؟
ثم ما الذي يدفع الأستاذ عبيدات ليستغرب من قدرة حزب التحرير -الذي يعمل في أوساط الأمة ويمتلك وضوحاً للرؤية ومشروعاً متكاملاً- على تغيير الواقع الذي نعيش، ومن إمكانية استجابة أهل القوة والمنعة له كما استجابوا للرسول وصحبه من قبل ؟ هل هو التضليل السياسي والمغالطة الفكرية أم هو سطحية الفهم للتاريخ الذي يحاول استقراءه ؟ والذي لو أمعن فيه لأدرك أن لا سبيل لتغيير واقع أي أمة بدون العمل الفكري والسياسي في أوساطها ، وأنه الذي يكفل بناء القاعدة الشعبية التي تمثل أساس بناء أية دولة.
ومن العجب العجاب أن يجعل الأستاذ عبيدات تاريخ الخلافة تاريخاً أسوداً، ويغفل أو يتغافل عما أحدثته الخلافة من تغيير لمعالم الكون وقتئذ وعما قدمته للبشرية من هدى يقوم على رسالة الإسلام التي أخرجت العباد من عبادة العباد والأصنام إلى عبادة الله رب العباد، ومن علوم ومعارف يشهد لها الكافر والغربي قبل المسلم ؟ وهل مثلت تلك الحوادث التاريخية المبتورة التي ذكرها-بعيداً عن الرد والبحث في تفصيلاتها- هل مثلت تاريخ ألف وأربعمائة عام سادت بها الخلافة وحكمت العالم بالعدل والإنصاف أم كانت مجرد شامات سود في بعير أبيض ؟
فإن كان الأستاذ عبيدات قد قرأ تاريخ الخلافة بمنظار أسود فليتصف بالموضوعية والنزاهة والإنصاف وليعد القراءة مرة أخرى بلا آراء ومواقف مسبقة علّه أن يصيب كبد الحقيقة.
أما ما هي الخلافة التي ندعو لها فهي ما تعمد تشويهها أو إغفالها وهي خلافة راشدة على منهاج النبوة تطبق شرع الله المنبثق عن عقيدة الأمة وتسود العالم وتحكمه بالعدل والإنصاف، تلك الخلافة التي لم يغفل عن مضمونها أعداء الأمة- كأمثال بوش وبلير وكلارك وبوتين وساركوزي - ولم يغفلوا عن التحذير من عودتها.
إن مثل تغير الأمم وتقلّب أحوالها كمثل الماء في القدر، فإنك إذا وضعت تحته ناراً سخن الماء ثم وصل إلى درجة الغليان ثم تحول هذا الغليان إلى بخار يدفع، ويحدث الحركة والاندفاع، لكن البسطاء وسطحي التفكير لا يدركون ما يحل به إلا من بعد أن يصل إلى حالة الغليان المشاهدة بالحس بينما يدرك العليمون بأحوال المجتمعات والأمم مدى السخونة التي يصل إليها المجتمع أولاً بأول فهم دائمو المراقبة لفكر الأمة وحسها، لذا فإن كان خطأ فهم الواقع قد حال بين الكاتب وبين فهم حال الأمة الذي بات يقض مضاجع القوى الغربية الاستعمارية فلا أقل من أن يعيد النظر في الواقع وحال الأمة مرة تلو الأخرى حتى يدرك الواقع كما هو لا كما يريده الظلاميون واليائسون الذين يعيشون حالة من الضعف والانهزامية و"الاغتراب" عن فكر الأمة وحسها، والذين يتسترون خلف عباءات فكرية غريبة عن عقيدة الأمة وفكرها، وإن كان الكاتب قد أدرك الواقع وعمد إلى المغالطة سعياً لتكريس الواقع الذي نعيش فحسبه أن يكون في صف أعداء الأمة المثبطين .
الخلافة حقيقة وليست خيالاً يداعب الأحلام
وإذا أردنا الحديث عن واقعية فكرة الخلافة وكونها أصبحت حقيقة واقعة، لا بد لنا أن نستذكر أن الأمة الإسلامية لا بد لها أن تستوحي فكرها وتوجهاتها من عقيدتها وما ينبثق عنها من فكر، وسواء أدركت الأمة مدى انطباق هذا الفكر على الواقع أم لم تدركه يجب عليها أن تبقى ضمن دائرة التسليم والتطبيق، لأن الأمة ربما يتفاوت إدراكها للأحكام والوقائع بين فترة وأخرى، تبعاً لقوتها الفكرية وضعفها، وتاريخ المسلمين الذي تراوح بين مستويات متعددة من الأفهام للأحكام والوقائع يؤكد على ضرورة بقاء الأمة ضمن الفكر المنبثق عن عقيدتها برغم كل ما يمكن أن يثار حول هذا الفكر والسلوك من تشكيكات وظنون حول جدوى هذا الفكر وإمكانية تحققه مع ملاحظة ديمومة الارتباط والانبثاق بين هذا الفكر وعقيدة الأمة، بينما يجب على الأمة ترك كل فكر لا ينبثق أو يبنى على عقيدتها وإن تراءى لها واقعيته وإمكانية تطبيقه أو سهولته .
إلا أن ذلك لا يعني البتة أن فكرة الخلافة اليوم تستعصي على الأفهام وتحكم العقول بعدم واقعيتها بل إن الظروف والملابسات التي تكتنف العمل لها لا تدع مجالاً للمرء مسلماً كان أم كافراً سوى أن يدرك واقعية الخلافة بل ودنو عودتها بصورة قطعية،
فواقع الأمة بما فيه من ميزات لا تحظى بها كثير من الأمم يدل دلالة لا لبس فيها على أن كل مقومات الدولة المبدئية الواحدة متوفرة ،
فالأمة تمتلك مبدأ واحداً يربطها ربطاً عقائدياً غير قابل للانكسار أو التهتك مما يجعل المسلمين في كافة أقطار المعمورة يشعر بعضهم ببعض ويعيش بعضهم قضايا البعض بصورة طبيعية كالجسد الواحد،
كما أن بلاد المسلمين تتواصل جغرافيا بصورة كاملة مما يجعل وحدتها أمر يسير لا عوائق فعلية أمامها،
ووحدة الأمة في كيان كان حقيقة واقعة لوقت قريب ولمدة زمنية لم يسبق أن اجتازتها أمة من قبل، مما يجعل عودتها لها عودة لسالف عهدها ولواقع كانت تمارسه طوال قرون .
واعتمدت هذه الآراء على حجج واهية أو مغلوطة ظنها البعض تطعن في واقعية فكرة ومشروع الخلافة، منها التنوع السكاني والمساحات الجغرافية المترامية الأطراف، ومنها التشكيك في قدرة نظام الخلافة على مواكبة المتغيرات العصرية ومنها اختلاف صورة الدولة اليوم عما كانت عليه قبل قرون، ومنها عدم تفاعل الأمة مع طرح الخلافة وعدم إمكانية تطبيق الأحكام الشرعية في عصرنا الراهن، وغير ذلك الكثير من الأقوال المتهافتة والمغلوطة والتي لا تقوى أمام الحشد الهائل من الدلائل القاطعة بواقعية فكرة الخلافة بل وبدنو عودتها من جديد .
والمدقق في كل الأقوال التي ذُكرت يجد أن لها مشكاة واحدة وإن اختلفت في الصورة والمظهر والعبارات، فكل تلك الآراء المشككة لا تعالج مشروع الخلافة وإمكانية عودتها أو واقعيتها بمقاييس عقلية نزيهة أو موضوعية، إذ إنها تنطلق من تكريس الواقع الحالي أو زرع اليأس من إمكانية تغيير هذا الواقع الذي نعيش، وتنطلق هذه الآراء من التشكيك في إمكانية وصلاحية تطبيق الإسلام في الحياة من جديد بل وصلاحية الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة الإسلامية لكل زمان ومكان، ولا يخفى على مسلم أن هذا الطرح يخرج المرء عن اعتقاده بصلاحية الإسلام وبالتالي يخرجه من زمرة الأمة الإسلامية ويجعله عامل هدم لها ولكيانها، كما لا يخفى مناقضة هذا الطرح لواقع تطبيق الإسلام طوال العصور الماضية على اختلافها وصياغته لها على نسق فريد، وتنطلق هذه الآراء من أن نظام الخلافة لم يكن سوى نظام خاص بمرحلة زمنية معينة وبالتالي فنحن غير مطالبين بتطبيقه في زماننا الراهن مما يجعل حامل هذا الرأي يفتش عن كل المبررات التي يراها تقف سداً في وجه هذا المشروع، وتنطلق هذه الآراء أيضاً من أن نظام الخلافة كان نتيجة توافقية بين القوى السياسية الفاعلة في عهد الصحابة وتوارثته الأمة ولم يكن نظاماً منصوصاً عليه ضمن الشريعة الإسلامية ولا يخفى على مسلم أن هذا الطرح يتجاهل النصوص الصريحة التي جاءت تدل على فرضية الخلافة والبيعة لإمام دار العدل وتتجاهل أن إقامة الرسول عليه السلام للدولة الإسلامية الأولى كان وحياً من الله له وتشريعاً وجب على الأمة أن تقتفي فيه أثر الرسول صلى الله عليه وسلم .
إن القول بقدرية الواقع الذي تعيشه الأمة وعدم إمكانية أو واقعية لمّ شملها وإعادتها دولة كبرى هو قول ينافي الشرع والواقع وسنة التغيير.
إن دلائل عودة الخلافة كثيرة وهي ذاتها دلائل واقعية هذا الطرح ،
فالفكرة حتى تعتبر خيالية غير واقعية تكون من نسج الأوهام والتخيلات والفرضيات، بينما فكرة الخلافة تمتلك مشروعاً متكاملاً وتأصيلاً شرعياً مستمداً من مبدأ الإسلام، تمتلك فكرة الخلافة طريقة للوصول إليها والأنظمة التي ستطبقها بأدق التفاصيل، وطريقة الوصول إليها هي نفسها الطريقة الوحيدة العملية التي بها تغير الأمم وبها تبنى الدول المبدئية، كما أن أنظمتها سبق أن طبقت تطبيقاً عملياً جلب الخير والطمأنينة للبشرية جميعاً، وهذا كله يجعل فكرة الخلافة فكرة عملية وواقعية .
كما أن الحديث عن خيالية فكرة الخلافة يتلاشى عند الوقوف على مدى ما وصلت إليه الأمة في سيرها في هذا المشروع، فكل متدبر لحال الأمة ولما أصابها من تغيرات في فكرها وسلوكها يدرك أن عودة الخلافة باتت أقرب من أي وقت مضى، ولعل هذا الإدراك الذي ربما يخفى على البعض هو ما دفع العديد من قادة الغرب والسياسيين والمفكرين من التنبؤ والتخوف من عودة الخلافة في غضون عقد أو يزيد .
إن الأمة الإسلامية باعتقادها بعقيدة الإسلام لا تملك من ناحية عقلية سوى أن تطبق النظام الذي انبثق عن هذه العقيدة وإلا بقيت متردّية متخلفة، وهي بامتثالها لأحكام ربها لا تملك سوى إقامة الخلافة وتطبيق الإسلام باعتبار ذلك حكماً شرعياً ثابتاً، فالخلافة لدى الأمة تخرج عن وصف الواقعية والحقيقة إلى الوجوب واللزوم،
إن الخلافة قائمة لا محالة، بها وعدنا الله، وبها بشرنا الرسول الأكرم عليه السلام، ولها يسعى الساعون المخلصون لإقامتها وبالأمة ومعها ستقوم قريباً بإذن الله، وستسود العالم وسيعمه الخير، فالخلافة هي أمر الله وقدره، وأنىّ لبشر أن يجابه القدر ؟!
خطاب نتنياهو وصلف واستكبار يهود
لا يختلف اثنان على إن خطاب نتنياهو اتصف بالصلف والعنجهية والاستكبار، كما لا يختلف اثنان على أن نتنياهو قد ضرب بخطاب أوباما بخصوص قضية فلسطين وتصريحات كلينتون عرض الحائط على خلاف ما زعمه أوباما نفسه عندما صرح قائلاً بأن خطاب نتنياهو كان "خطوة مهمة إلى الأمام" وكذلك فعل الإتحاد الأوروبي، فما الذي دفع يهود للعلو والاستكبار ؟ وإلى متى سيبقى هؤلاء يتشدقون بقوتهم وجبروتهم، ودولتهم أوهى من بيت العنكبوت ؟! وهل اليهود بحق قادرون على أن يقفوا في وجه المخططات الغربية أم أنهم مكوّن أساسي لها ؟!
حمى الدولتين !!
حمى الدولتين !!
إن أمريكا تظن واهمة أن بمقدورها حسم الصراع في فلسطين، وتنسى أن فلسطين ترتبط بعقيدة أهلها لا بمصالحهم لذا فهي غير قابلة للتفاوض أو التنازل وإن زعم البعض تمثيلها ففرّط وضيّع، وتنسى أمريكا كذلك أن أهل فلسطين هم من المسلمين وأن بيت المقدس يرتبط بعقيدتهم برباط الإسراء والمعراج وأن كل شبر من فلسطين قد روي بدماء الصحابة والفاتحين والمحررين من قبل، وأن أهل فلسطين والمسلمين عموماً لن يقبلوا سوى تحريرها ولو بعد حين، وهي تظن واهمة أن بمقدورها نزع تلك العقيدة من صدور المسلمين، متناسية أن الأمة الإسلامية طوال عصورها وحتى في فترات الضعف والهزيمة لم تتخل عن عقيدتها وأن المسلمين فضلوا أن يبادوا ويقتلوا على التخلي عن بعض إيمانهم، فهل يمكن لأمريكا أن تغير عقائد هكذا قوم ؟! وهل يمكن لأمريكا أن تنزع الإيمان من قلوب امتلأت به ؟!
إن شدة الحراك السياسي في المنطقة لا يعني أن أمريكا قادرة على حل قضية فلسطين، وإن عزم هذه الإدارة على الحل لا يعني انه سيقدم أو يؤخر شيئاً في هذه القضية التي لا زالت منذ ستين عاماً أو يزيد تراوح مكانها بين شدّ وجذب، فإذا ما أدركنا حقيقة الصراع القائم بين المسلمين ويهود، وإذا ما أدركنا ارتباط هذه الأرض بعقيدة المسلمين مع ادعاء يهود الباطل أن الله أعطاهم أرض فلسطين، يمكننا الحكم بأن هذه الأرض لن تقبل القسمة على اثنين وأن الصراع سيبقى قائماً إلى أن يُحسم لصالح احد الطرفين .
إن تحركات أمريكا لا يعني قدرتها على التأثير، وإن حملة العلاقات العامة التي بدأتها الإدارة الأمريكية مع العالم الإسلامي مستغلة ورقة القضية الفلسطينية لا يعني أن هذه القضية قد قفزت إلى سلم أوليات هذه الإدارة فلا زالت الأزمة الاقتصادية وأفغانستان والعراق في رأس الهرم لديها .
إن أمريكا عجزت عن حل هذه القضية في ريعان شبابها وذروة قوتها فهل تستطيع حلها من بعد ما أصابها داء الأمم ومن بعد ما انتكست في كافة القضايا السياسية ؟!
إن قضية فلسطين ستبقى في شدّ وجذب كخض الماء في القربة لا ينتج شيأ، ولن تحل هذه القضية إلا بأن يقوم للمسلمين كيان يأخذ على عاتقه تحرير هذه الأرض وحسم الصراع فيها وإنهاء كيان يهود السرطاني وإعادتها درة في جبين الأمة .
إن تحرير فلسطين كاملة من أيدي اليهود الغاصبين هو الحل الذي لا حل سواه لهذه القضية وهو الحل الواقعي الوحيد ولا يُنقص من واقعيته أو إمكانية تحققه دعاوى بعض المثبطين أو اليائسين من أمتهم، أو سير المضبوعين والتابعين في مخططات المستعمرين، وإن الأمة الإسلامية باتت أقرب من أي وقت مضى-برغم كل العوائق التي توضع في طريقها وبرغم كيد ومكر الكافرين- إلى تحقيق بغيتها بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة والتي ستحرر فلسطين كاملة وكل شبر محتل من أرض المسلمين، وإن غداً لناظره قريب .
(وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا)
الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما
الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما
لم تجر العادة أن يقوم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه رسالة للأمة الإسلامية من عقر دارها، ولم يكن مقبولاً في تاريخ الأمم أن يقوم فيها كبير أعدائها ومن يحتل ديارها ومن يقتل أبناءها وينهب خيراتها مقام الواعظين فيها، أو مقام المعلمين فيهم فيعلمهم دينهم ويخبرهم عن الإسلام الصحيح والمزيف وكأني به يريد أن يجسد عبارة "هذا أوباما جاءكم يعلمكم دينكم" .
ففي قاهرة المعز وفي دلالة معنوية لا تخفى على لبيب، صعد أوباما منبراً أمريكيا مدبوغاً بشعار الرئاسة الأمريكية ليس في واشنطن بل في كنانة الله في أرضه، وفي قلب بلاد المسلمين .
وبالرغم من عباراته المنمقة والمختارة بعناية فائقة وبرغم مديحه للإسلام وحضارته الذي لم يجاوز لسانه، وبرغم تأكيده على أنه يريد أن يتحدث بصراحة وصدق، إلا أن أوباما قد ذكر كل شيء سوى الحقيقة وقد عمد بشكل واضح غير خفي إلى التضليل والمغالطة والكذب في بعض الأحيان.
فأوباما صرح بأن أمريكا قد دُفعت بفعل أحداث 11-9 لحرب أفغانستان ولم تختار هي الحرب بنفسها، متناسياً أن تلك الحرب لازالت قائمة وأن أهداف أمريكا في أفغانستان باتت واضحة لكل مراقب من تأمين خطوط الغاز العابرة من أفغانستان وإقامة قواعد عسكرية لضرب أي تحرك جدي مخلص للمسلمين ومن حملات تبشيرية لحرف المسلمين عن دينهم ولعل أوباما لم يطلع على الأنباء التي سربت من داخل الجيش الأمريكي والتي كشفت عن الأعمال التبشيرية التي يمارسها الجنود الأمريكيون في أفغانستان.
وأما العراق فلم يذكر أوباما كيف زورت كلٌ من أمريكا وبريطانيا الحقائق في شأن امتلاك العراق لسلاح نووي وكيف اعتمدت على الكذب في حربها وان همّها لم يكن تخليص الشعب العراقي كما زعم من طاغية حكمها وتجبر بها فبلاد المسلمين اليوم تزخر بالطغاة الذين تمدهم أمريكا بأسباب الحياة والقوة ولكنه تجاهل عمداً بأن نفط العراق ومكانته الإستراتيجية ومخططات أمريكا للمنطقة بأسرها هو من دفعها لاحتلاله وتدميره فوق رؤوس ساكنيه.
ولم يذكر أوباما أن اليهود الذي تغني بمتانة علاقة أمريكا بهم واعتبرها غير قابلة للانكسار قد أقاموا كيانهم بل أقامته لهم كل من أمريكا وأوروبا على أراض تم اغتصابها وتشريد أهلها منها واحتلالها بالقوة، تلك القوة التي جعلها أوباما حكراً على المحتلين دون أن يأذن لمن احتلت أراضيهم باستخدامها ويطالبهم بالمقاومة السلمية، فهل أقامت أمريكا وبريطانيا كيان يهود بالمقاومة السلمية ؟! وأما تغنيه بحل الدولتين فلم يكن رأفة بأهل فلسطين بل حلاً لإشكالية قد سببت التوتر وإفشال المؤامرات والمخططات الأمريكية في المنطقة الإسلامية بأسرها فكانت فكرة حل الدولتين تحقيقاً للمصالح الأمريكية العليا وليس رأفة بأهل فلسطين مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الحل من شأنه أن يضيع جلَ جلِ فلسطين وأن يبقي لأهلها على استحياء وبلا سيادة على أرض أو ماء أو هواء بعض البعض منها.
وبالنسبة لدعوات الحوار وضرورة التلاقي عند القيم المشتركة في الإسلام والإدارة الأمريكية وبين الإسلام وبقية الحضارات، فلم يذكر أوباما من أعلن الحرب صليبية على المسلمين وقاد حملات شبيهة بالعصور الوسطى ومن جعل الإسلام هو الإرهاب ومن حكم على نهاية البشرية في ظل الرأسمالية ومن سعى لفرض قيمه البالية على بقية شعوب العالم، كما لم يذكر أوباما من أساء للقرآن ورسوله الكريم ابتداءاً من كبيرهم الذي علمهم السحر وانتهاءاً بأصغرهم من راسم للكراكاتير باسم حرية الدين والمعتقد، كما لم يذكر أوباما من يعتقل المسلمين لمجرد إطلاقهم للحاهم أو لباسهم أو حتى معالم وجوههم، كما لم يبين أوباما كيف حققت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مفهوم العدالة للأمم بل حتى للشعب الأمريكي -والتي زعم أن أمريكا تشارك فيها الإسلام- هل حققت أمريكا العدالة للأمم باحتلالها واستعبادها، أم بقتل أبنائها ونهب خيراتها أم بتجويع أكثر من ملياري إنسان أم بدعمها للفتن واختلاقها للاقتتال الداخلي والطائفي في كل من العراق وباكستان والسودان والصومال وفلسطين ؟!!
وأما المرأة وحقوقها، فحدث ولا حرج، فمن كذب وخداع أوباما وتفاخره على العالم كذبه بشأن حقوق المرأة في أمريكا وسعيه للشراكة مع كل نظام يريد أن يحقق للمرأة مكانتها كما يفهمونها، وكأني به يصدق أكذوبة الغربيين بأنهم أعطوا للمرأة حقها، فجعلوا منها سلعة تباع وتشترى واستغلوا أنوثتها ولم يقيموا وزناً لأم أو بنت أو أخت كل ذلك بدعوى الحريات الشخصية واستقلالية العيش والقرار، فلم يذكر أوباما عدد النساء اللاتي يتركهن أزواجهن يصارعن الحياة لتحصيل لقمة العيش بسبب الحياة الاجتماعية المنحلة هناك، ولم يذكر أوباما عدد النساء اللاتي يغتصبن يومياً في أمريكا، ولم يذكر عدد اللواتي أصبحن بلا مأوى بعد أن تقدم بهن العمر سوى بيوت العجزة، بينما هو يسمع ويرى كيف تعيش المرأة في بلاد المسلمين برغم وجود بعض الإساءات كون هذه البلاد تحكم بأنظمة وضعية من وضع الرأسماليين وأضرابهم، وكيف تعيش المرأة حياة لا تشبهها فيها سوى الملكة التي كلما كبرت كبرت مملكتها من الأولاد والأحفاد الذين لا همّ لهم سوى طلب ودها ورضاها.
أما مشاريع التنمية فلعل أوباما قد غفل أو تغافل بأن اقتصاد أمريكا ودولارها هما سبب البلايا والمصائب الاقتصادية التي تعم العالم، ولم يبين أوباما كيف لأمريكا أن تدعم اقتصاديات العالم وهي تعاني الأزمات تلو الأزمات بل وهي تنهب خيرات العالم وأمواله.
وخلاصة ما ذكر أن الحقيقة هي ما لم يقلها أوباما وأنه ما من قضية تناولها إلا عمد فيها للكذب والتضليل والخداع فتلكم هي السياسة في عرف الرأسماليين وذاك ديدنهم.
ولكن اللافت للنظر أن يقبل بعض المسلمين أن يخاطبهم كبير أعدائهم وأن يقبلوا أن يتحدث في قضاياهم وأن يحكم بها، لا شك أن الأمة اليوم تعاني من حالة ضعف وهوان جرأت أعداءها عليها بل وجرّأت حكامها ليسخّروا البلاد والعباد والمنابر والجامعات لخدمة الكافر المستعمر.
إن الأمة الإسلامية ظلّت عبر العصور هي من تخاطب البشرية كونها تحمل رسالة الخير لهم، وهي من توجه لهم الرسائل، وهي من تقتحم عليهم ظلمتهم فتنيرها بعدل الإسلام، فذاك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يخاطب كسرى والفرس وقيصر والروم والمقوقس والنجاشي، وذاك الرشيد يخاطب الغمام قبل البشر، وذاك المعتصم وذاك .. ، فهل يدرك المسلمون سبب هوانهم وأن بالإسلام والخلافة يعودون كراماً أعزة قادة للعالم، فيجلبون الخير للبشرية والأمم ؟!
أيهما أحق بالأمن والحماية ؟!
أيهما أحق بالأمن والحماية ؟!
تكتظ وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بأخبار القتل المستحر في المسلمين وبأخبار نكباتهم ومصائبهم، هنا في فلسطين حيث لا زال الحصار يخنق أهلنا في غزة ولا زالت وعود الإعمار الكاذبة تنتظر ثمناً سياسياً يُقدم قرباناً على مذبح الرباعية، وضحيةُ هذا الحصار أناسٌ عزلٌ مدنيون وإن لبس بعض أبنائهم زي العسكرية فهم محتلون من قبل ومن بعد، أناسٌ يفترشون الأرض ويلتحفون السماء لا يملكون لقمة يقيمون بها صلبهم أو رشفة ماء نقية يُندون بها شفاههم، ومع ذلك كله تُصر قوى الطغيان العالمية ومن سار في ركبها من حكام المنطقة على التضييق وإحكام الخناق على هؤلاء المستضعفين، وبرغم ارتفاع استغاثات اليتامى والأرامل والرضع و عمق أنين الثكالى والجرحى إلا أنها لم تلاق سوى الصم ولم تكن سوى أصوات نشاز تُعزف في سيمفونية التبعية والاستعمار، وعلى الجانب الآخر ينعم المغتصبون لأرض سُلبت من أهلها في رابعة النهار بحياة ملؤها الأمن والطمأنينة والعيش الرغيد، وتصر قوى الطغيان العالمية ودول التبع الإقليمية على إحاطة هذا الكيان بوافر الراحة والأمن ومدّه بأسباب الحياة والقوة والمال والعتاد والغاز وتتبارى دول المنطقة في التقرب لهذا الكيان –بالرغم من صلفه- زلفى، ففي دمشق عُقد مؤتمر لوزراء خارجية منظمة العالم الإسلامي لا ليقدم مبادرة أو خطوة عملية لرفع الحصار عن المستضعفين في غزة-وإن طالب ذلك بعبارات حيية- ولا ليستنفر الجيوش الرابضة أو التائهة في بيداء الخزي العربية لتتدارك تقصيرها فتحرر البلاد والعباد من رجس يهود وهي على ذلك قادرة بل يعقد هذا المؤتمر ليقدم العروض والإغراءات للغاصب المحتل بالتطبيع ودفء العلاقات والأذرع المفتوحة من دول "الإعتدال" و دول "الممانعة" على حد سواء ، فمبادرة "السلام" العربية باتت مبادرة سلام للدول القائمة في العالم الإسلامي.
فأيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية لو كانوا يعلمون ؟! قوم سلبت أرضهم وديارهم مستضعفون أم غاصب محتل يتمادى في غيه ساعة بعد ساعة ؟!
وهناك في باكستان ، جيش عرمرم يهرع لقتل المدنيين من إخوانهم وتشرديهم من ديارهم، أكثر من مليونين ومئتي ألف شردوا، آلاف القتلى والجرحى، مدن وقرى سوّيت بالتراب، حرب طاحنة ضروس في الأحياء والأزقة، حرب شوارع لا يعلو فيها سوى أزيز الرصاص ولا يخرق صمتها سوى صوت التفجيرات والقنابل، وكل ذلك يتم تحت ذريعة حرب طالبان والحقيقة أنها حرب أهل باكستان وسوات وكل من حدثته نفسه بمد إخوانه في أفغانستان بميرة أو بعير، وفي الجانب الآخر تجثم القوات الأمريكية بأمن وأمان في باكستان وتقلع طائراتها لتقصف منطقة القبائل وأفغانستان، ويأتي مبعوثيها فتفرش لهم البسط وأيديهم تقطر دماً، وفي الجانب الثالث قوات هندية محتلة قد سَلبت جنةَ الله في أرضه "كشمير" من بين أيدي أهلها تنعم بالإستقرار الذي يوفره لها حكام باكستان من ملاحقة كل من يسعى لتحرير كشمير أو تحدثه نفسه بالإساءة إلى الصديق الحميم "الهند".
فأيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية ؟! قوم أرادوا تطبيق شريعة ربهم وأرادوا أن يستظلوا بفيئها ولو قليلاً فطالبوا بحقهم وآخرون طالبوا بتحرير أرضهم التي رويت بدماء أجدادهم، أم محتل لا تكاد تشرق عليه شمس دون أن يوغل قصفاً وقتلاً وتشريداً وتدميراً ؟! ما لكم كيف تحكمون ؟!
وتلك الصومال من بعد أن هوى النفوذ الإستعماري الى حيث لا عودة تأتي حكومة تكتسي ثوب الإسلام والإسلام من فعالها براء وتخدع البعض بقوانين لا يعني إقرارها سوى الموافقة على "تطبيق الإسلام" تحت إرادة المستعمرين من أثيوبيين وقوى إفريقية فعن أي تطبيقٍ يتحدث هؤلاء ؟! وتتأهب الحكومة لتقف على قدميها وتستجدي الأموال من قوى الطغيان الإستعمارية لتبني جيشاً وتشتري سلاحاً لا هم له سوى قتل إخوانه الذين رفضوا وجود المستعمر ومخططاته، فيدمر القرى ويهجر الناس في حرب بالوكالة عجزت عنها قوات الأمل الأمريكية من قبل.
فأيهما أحق بالأمن والحماية ؟! أهل الصومال وأبناؤه الذين رفضوا الذل والتبعية أم يبقى المحتل في منأى عن أي أذى أو ضرر ؟!
وتلك العراق وتلك السودان وتلك اليمن وتلك ...وتلك.
إن الموازين والمقاييس اليوم قد قُلبت رأساً على عقب، فما عادت الدول والأنظمة والجيوش في بلادنا تكرّس نفسها خدمة للأمة وقضاياها كما هي حال الدول والأنظمة والجيوش في عرف البشرية بل باتت سيفاً مصلتاً على رقابنا، دول لا تملك من قرارها من قطمير وتدعي السيادة على شعوبها وأنظمة وحكومات لا همّ لها سوى السير في مخططات التبعية والذل وجيوش أسود على الأمة وفي الحروب نعامة، إنه بحق زمان يبيت الحليم فيه حيراناً، إنه بحق زمان "الرويبضات" و"التحوت"، فبأي منطق أو ذريعة يقتل المسلم أخاه ؟! وبأي حجة أو برهان يؤنس بالكافر ويرضى البعض أن يكونوا له أداة ؟!
إن مما يشطر القلب أن يرى المرء المسلمين في كافة أقطار المعمورة متقاتلين متناحرين، ومما يزيده انشطاراً أن يسير البعض في مخططات القوى الغربية الإستعمارية فيكرّسون أنفسهم وجهودهم وأموال الأمة وأموالهم لتحقيقها، ومما يدمي الفؤاد ويحير اللبيب أن رضي المسلمون بإتخاذ بعضهم بعضاً أعداءاً حتى وصف البعض خطر دولة من المسلمين لا تختلف كثيراً عن بقية الأنظمة في المنطقة في سيرها في التبعية والمخططات الإستعمارية بأنها أشد خطراً من الإحتلال وهم في الخيانة والتبعية سواء .
أيهما أحق بالأمن والنصرة والحماية ؟! أهلكم وإخوانكم وأبناء دينكم أم عدوكم وقاتلكم ومستعمركم ؟! تساؤل أو استغراب أو استنكار، يبقى برسم التفكّر والتدبر بحالنا لكل صاحب نصرة أو قوة او منعة، ويبقى يدق ناقوس الخطر لكل من رضي بإتخاذ المؤمنين دون الكافرين أعداءاً، لينشغل في صراعهم عن صراع العدو الحقيقي للأمة .